“أنا في قطار مكتظ متجه من أوكرانيا إلى بولندا، لا نستطيع التنفس تقريبا.. الأطفال يبكون.. ساعدنا في تسريع القطار”. لم أكن أعرف ماذا أفعل.. ظنت چوليا أن الصحفيين حول العالم بيدهم عصا سحرية، بينما أنا قد حاصرني الصمت والعجز.

فمن هي جوليا الأوكرانية التي فرت مع أسرتها الآن من جحيم نيران بوتين باحثة عن ملاذ آمن خارج أوكرانيا، وطنها المعتدى عليه. سنعود إلي أصل قصتي معها وكيف بدأت علاقتنا:

بدأت قصتي مع جوليا في عام ٢٠٠٤، حينما تم اختياري من قبل وزارة الشباب والرياضة المصرية كي أكون ممثلا لوفد مصر في معسكر الشباب الدولي، الذي شاركت فيه وفود من شتى دول العالم، كنا شباب وفتيات من جنسيات مختلفة وألوان بشرة متباينة، جنبا إلى جنب نزرع أشجار الزيتون  معا في العريش، العريش التي زرع فيها الإرهابيون الشوك والقنابل وحصدوا أرواح الأبرياء.

مازلت أحتفظ حتى يومنا هذا بصور تذكارية وصداقات قوية من هذا المعسكر من بلدان مختلفة.

من الحب إلى الحرب.. عن الأوكرانية التي عرفتها منذ ١٧ عاماً

أنا وجوليا في مخيم الشباب بالعريش عام 2004

حب من طرف واحد

في الرابع عشر من شهر فبراير الماضي، في يوم عيد الحب وبمناسبة ما يحدث في أوكرانيا، تذكرت قصة حب عشتها في نفس المعسكر منذ 17 عاماً، قصة عشتها لأيام وربما لشهور في مخيلتي وحدي، كان الوفد الأوكراني في معسكر الشباب الدولي بالعريش، يضم فتاة اسمها چوليا، أبهرتني چوليا بجمالها الساحر وروحها المرحة وأسعفتني اللغة الانجليزية لأتحجج وأفتح معها حواراً ساذجاً لا يختلف كثيراً عن سذاجتي القروية، وشاركتها لعب البلياردو في نزل الشباب الذي كنا نقيم فيه، والتقطنا صوراً تذكارية سوياً في الأهرامات وأماكن عدة.

ما الذي حدث؟ لا أدري، أعجبت بچوليا إعجاباً شديداً، وربما أحببتها، إبتسامة بلهاء ترتسم على وجهي عندما نركب الأتوبيس سوياً، أو نجلس على مائدة الطعام بالمعسكر الذي سرعان ما انتهت أيامه قبل أن تكون هناك قصة أو حكاية أو أعترف لها بحبي، أو أصارحها بأي مشاعر من ناحيتي.

كان مع چوليا ضمن الوفد الأوكراني شاب آخر، كلما يراها تتحدث أو تضحك معي تظهر عليه ملامح الغضب الشديد، وتنتفخ أوداجه، وچوليا – لا أدري إن كان عند قصد أم لا- كانت تثير غيظه أكثر، وتبادلني أطراف الحديث ونضحك وهو لا يكاد ينفجر من الغيظ، ربما كانت تتملكه مشاعر غيرة عليها، لم أعرف على وجه اليقين حينها، لماذا كان يحدق في عينيها عندما يراني أجلس بجوارها أو أتحدث معها، وهي لا تبالي وتضحك أكثر.

في نهاية المعسكر، تبادلنا أرقام الهواتف، وكان سعر الدقيقة والرسالة النصية حينها مرتفعاً ولم يكن الاتصال الدولي متاحاً، وحتى وإن كان متاحاً فكانت تكلفته فوق طاقتي كشاب حديث التخرج، بعد عودتها لأوكرانيا، كنت أبعث برسالة نصية إلى چوليا من حين للآخر، أطمئن عليها، وتتألم جيوبي بسبب كروت الشحن التي سرعان ما تنفد، ولم تكن السوشيال ميديا قد ظهرت، ثم صرنا فيما بعد أصدقاء عبر فيس بوك، أتابع أخبارها وتتابع أخباري.

چوليا تتزوج وتنجب أدريانا

تزوجت چوليا ورزقت بطفلة جميلة اسمها أدريانا، تكمل عامها الرابع في أبريل المقبل، وكانت چوليا قبل أسابيع تعمل كمديرة تسويق لمشاريع مختلفة، وكمستشار تصدير لمساعدة المنتجين الأوكرانيين لدخول الأسواق الأخرى وتقديم الخدمات للشركات الأجنبية.

في عيد الحب، بعثت إليها برسالة لأطمئن عليها وعلى أحوالها هي وأسرتها في ظل الوضع  والحرب الوشيكة على حدود أوكرانيا، كان ردها أنها تعيش وعائلتها حياتهم الطبيعية في كييڤ وتأمل أن يهدأ هذا الوضع المجنون في أسرع وقت ممكن!

من الحب إلى الحرب

بعد 10 أيام من رسالتي الأولى، وجدت رسالة من چوليا فجراً تخبرني فيها بأن الحرب قد بدأت! لم أكن أستبعد قيام الحرب، لكن ماذا تفعل كمواطن يجد وطنه تحت القصف بين عشية وضحاها؟ نصحتها بمغادرة كييڤ في أسرع وقت، لأني لست متفائلاً، بوتين لم يتراجع، وأمريكا لن تجرؤ على دخول الحرب لأسباب عدة، والناتو لديه حسابات شتى، وبالأمس القريب راحت شبه جزيرة القرم أمام أعينهم واكتفى العالم كله بالفرجة!

كان رد چوليا عليّ غريباً، قالت أنها في كييڤ أكثر الأماكن أماناً، طلبت مِني ألا أقلق، وأن أثق في جيشها الأوكراني، وأن أدعو وأصلي من أجلهم.

الخطة تتغير!

في اليوم التالي، غيرت چوليا الخطة، وبدلاً من البقاء بمنزلها، سافرت هي وأسرتها إلى منزل شقيقتها الوحيدة على بعد ٦٠ كيلو مترا من العاصمة كييڤ في اتجاه الغرب، في منطقة ريفية ظنت أنها لن تكون في مرمى النيران. نصحت چوليا مرة أخرى بالمغادرة إلى الحدود، لكن شقيقتها ذات الستة وأربعين ربيعاً ترفض التحرك معها وأصرت على البقاء بالمنزل بصحبة زوجها وطفليها.

وجهت إلى چوليا دعوة مفتوحة لاستضافتها هي وأسرتها في مصر إن أرادت، وأخبرت زوجتي وبناتي فعلاً بذلك، وظلت مريم وسلمى تفكران في كيفية التعامل مع الضيوف الجدد، ونسجوا من وحي خيالهم حوارات وقصصاً لما قد يدور في المستقبل.

في اليوم التالي، غادرت چوليا وزوجها ونجلتهما أدريانا في سيارتهم الخاصة متجهين إلى لڤيڤ، المدينة الاقتصادية الصناعية القريبة من بولندا، زحام مروري رهيب، والطريق شبه لا يتحرك، مئات الآلاف يغادرون في نفس التوقيت، قضوا يوماً كاملاً للوصول، ومن إرهاق السفر، اضطروا إلى المبيت بالمدينة ليستريحوا من عناء رحلة شاقة.

ذهبوا في اليوم التالي إلى محطة القطار، هنا يفارق الزوج زوجته، وتتشبث الطفلة أدريانا بأبيها، يودعهما الأب بالأحضان والقبلات والدموع، تذهب چوليا وطفلتها ذات الأعوام الأربعة ويستقلا القطار لعبور الحدود الأوكرانية البولندية، ويبقى الأب وحده في لڤيڤ.

من الحب إلى الحرب.. عن الأوكرانية التي عرفتها منذ ١٧ عاماً

جوليا وطفلتها في قطار مظلم مكتظ بالفارين من نيران بوتين إلى بولندا

استغاثة القطار

ركبت چوليا القطار رقم 036 المتجه من لڤيف الأوكرانية إلى مدينة برزيميسل البولندية، كانت رحلة شاقة وصعبة، أرسلت لي خلالها رسالة استغاثة تقول فيها: “أنا في قطار مكتظ، لا نستطيع التنفس تقريبا.. الأطفال يبكون.. ساعدنا في تسريع القطار”. لم أكن أعرف ماذا أفعل.. ظنت چوليا أنا الصحفيين حول العالم بيدهم عصا سحرية، بينما أنا قد حاصرني الصمت والعجز.

وصلت چوليا وأدريانا إلى مخيمات خصصتها بولندا للنازحين من الحرب، كانت ممتنة جداً لما رأته عند وصولها والمعاملة التي قوبلت بها هي وغيرها من النازحين، قالت لي: “نحن نعيش في غرفة منفصلة، الوجبات لذيذة جداً. ننعم بكرم ضيافة كبير. الشعب البولندي متحمس جدًا للمساعدة حقًا، يمكنني البقاء هنا في بولندا لمدة أسبوعين أو أكثر، أفكر في الخيارات المختلفة المتاحة أمامي.. كيف وأين أقيم فيما بعد؟”.

 الأزمات تحاصر چوليا

تبدأ الأزمات في محاصرة چوليا، شركة الهواتف المحمولة الأوكرانية أغلقت الخط  الخاص بها نتيجة التكاليف الباهظة لإستخدام الإنترنت والاتصالات الدولية خارج حدود الوطن، أجبرها ذلك لشراء خط آخر من بولندا حتى تبقى على اتصال بأسرتها ومتابعة ما يدور في بلدها، ثم تواجه چوليا أزمة أخرى، فجيوبها أصبحت خاوية فهي لا تمتلك سوى بعض النقود، لكن الهريفنا (العملة الأوكرانية) لا قيمة لها في بولندا، حيث تبلغ قيمتها في مكاتب الصرافة ما يعادل 0.033 يورو! يعني نص جنيه مصري تقريباً!

ماذا تفعل چوليا؟ كان من ضمن الخيارات المطروحة أمامها، دعوة وجهتها لها صديقة إيطالية هي وزوجها، لاستضافتها هي وأدريانا بمنزلهما بمدينة بولونيا، إحدى أكثر المدن الإيطالية تقدماً، وتسمى أيضاً بمدينة المثقفين وبها أعرق جامعة في أوروبا وهي مدينة ساحرة حقاً.

لكن للحظ العثر، لا يوجد قطار مباشر من برزيميسل البولندية إلى بولونيا الإيطالية، والطريقة الوحيدة للسفر بشكل مباشر هي الأتوبيس. چوليا لا تمتلك ثمن تذكرة السفر أصلا ولا تعرف ماذا تفعل، ثم جاءت الانفراجة عندما دفعت الأسرة الإيطالية لها قيمة تذكرة الأتوبيس لرحلة تستغرق ١٩ ساعة تقريباً تعبر فيها چوليا من بلد إلى أخر.

من الحب إلى الحرب.. عن الأوكرانية التي عرفتها منذ ١٧ عاماً

وتنتهي رحلة الفرارفبي إيطاليا لتنام أدريانا بعيدا عن أصوات قذائف الروس

هنا إيطاليا

وصلت چوليا عصر ثاني أيام شهر مارس إلى منزل صديقتها في إيطاليا، وعادت الضحكة إلى طفلتها التي ظلت تبكي في القطار، هي الآن تلعب كما الأطفال في كل العالم.

أدريانا وكل طفل أوكراني يستحقون الحياة، فالأمم المتحدة أعلنت الأربعاء الماضي أنّها سجلت مقتل نحو 230 مدنياً في أوكرانيا بينهم 15 طفلاً منذ بدء العملية العسكرية الروسية على أوكرانيا، مرجّحة أن تكون الحصيلة الحقيقية أعلى بكثير.

من الحب إلى الحرب.. عن الأوكرانية التي عرفتها منذ ١٧ عاماً

أثناء رحلة الفرار في إيطاليا

چوليا تفقد الاتصال بشقيقتها

فور وصول چوليا إلى إيطاليا، حاولت الاتصال بشقيقتها الوحيدة التي تركتها بمنزلها لكنها لم تتمكن، ظنت في بادئ الأمر أن هناك مشكلة ما في شبكة الإنترنت، مضى يوم كامل ولا جديد يأتي من شقيقتها، اضطرت إلى مناشدة أصدقائها عبر السوشيال ميديا لمساعدتها، كتبت في استغاثتها: “لقد فقدت الاتصال بأختي وعائلتها، هم يقيمون في ماكاريڤ. أنا قلقة حقًا، ربما يعرف شخص ما شيئًا عما يحدث في ماكاريڤ؟ أصدقائي، إذا كان هناك من يعرف ما يجري في ماكاريڤ؟ الرجاء مساعدتي بالمعلومات.” جاءت الردود لتزيد قلق چوليا أكثر، أخبرها الأصدقاء أن المدينة وقعت في يد الجنود الروس، وأخبرها آخرون أن خط الكهرباء الرئيسي المغذي للمنطقة قد تم تدميره، وانقطع عن المواطنين الكهرباء والاتصالات.

چوليا تفقد الاتصال بجدتها

في الجنوب من أوكرانيا، وتحديداً في ماريوبول أهم مدينة أوكرانية يريدها الروس بها الميناء الأوكراني الرئيسي على بحر آزوف، هناك كانت تعيش كيروسينكا جدة چوليا البالغة من العمر 84 عاماً، فقدت الاتصال بها هي الأخرى، وكتبت استغاثة تطلب فيها من أي شخص أن يساعدها، ويصطحب جدتها العجوز إلى عائلتها بالقرب من المدرسة رقم 57! أو على الأقل يتحقق إن كانت جدتها على قيد الحياة أم لا!

وكانت السلطات المحلية وسكان مدينة ماريوبول، قد قالوا إن الوضع تدهور  الأربعاء الماضي مع قصف الجيش الروسي وسط المدينة ومناطق سكنية.

المصريين في أوكرانيا

قصتي مع چوليا، دفعتني أيضاً لمتابعة قصص المصريين العالقين في أوكرانيا، والأوكرانيين العالقين في مصر، تابعت أخبار الجالية المصرية هناك، وما يصدر من بيانات رسمية في مصر هنا من غرفة المنشآت الفندقية عن تيسيرات أمام السائحين.

يدرس في أوكرانيا حوالي 3000 طالب مصري وفق التصريحات الصادرة من وزيرة الهجرة المصرية، بعضهم عاد إلى الوطن منذ أيام، لكن هولاء الطلاب ينتظرون المجهول، لا يعرفون هل يكملون الدراسة أونلاين، أم تعادل وزارة التعليم العالي شهاداتهم وتدمجهم في الجامعات المصرية؟

القضية الأخرى التي تشغل المصريين المتزوجين فى أوكرانيا، هي إمكانية اصطحابهم زوجاتهم وأبنائهم والعودة بهم إلى مصر، فبعضهم لم تصدق السفارة المصرية في كييڤ على عقود الزواج الخاصة بهم، وبعضهم لا تحمل زوجاتهم جواز سفر، كل هؤلاء ينتظرون المجهول أيضاً.

المجهول ينتظر المصريين في أوكرانيا، والأوكرانيين في مصر، ينتظر الشعب الأوكراني والروسي، وربما العالم أجمع، لا أحد يعلم إلى أين سيتنهي الصراع الدائر بين روسيا وأوكرانيا والقوى العالمية. في الحرب، كلنا خاسرون!