أخبار الآن | إيران – وكالات

تركت وفاة المغني والملحّن الإيراني البارز محمد رضا شجريان (80 عاما) ، أهم وجوه الموسيقي التقليدية الإيرانية، صدمة كبيرة لدى الكثيرين.

فبعيد إعلان وفاة  من يعرف بـ “الاستاذ”، أمس، تقاطر مئات المعجبين به إلى مستشفى ” جام ” في طهران حيث أدخل قبل أيام قليلة وهو في وضع حرج . وراحت الجموع الحزينة متجاهلة إجراءات التباعد الاجتماعي المفروضة بسبب جائحة “كورونا”، تغني بصوت واحد أغنية شهيرة جداً للفنان الراحل . وتحت أنظار عناصر الشرطة المنتشرين استرسل رجال ونساء بالبكاء، وهتف بعضهم بشعارات وسط أجواء حزن من بينها “شجريان حي وسيبقى حياً إلى الأبد”.

وكان شجريان يصارع مرض السرطان منذ سنوات عدة، وكتب نجله ” همايون شجريان” وهو فنان معروف أيضاً، الخميس عبر “إنستغرام” تحت صفحة سوداء أن والده غادر “لملاقاة ربه”.

واليوم الجمعة، نقل جثمان الموسيقار الإيراني، إلى مدينة مشهد حيث سيوارى الثرى قرب مرقد الشاعر الإيراني الكبير فردوسي. وتجمع عشرات الإيرانيين في مقبرة “بهشت زهرا”، حيث أقيمت الصلاة على جثمان شجريان قبل نقله إلى مدينة مشهد.

رمز وطني

ولا يعتبرُ شجريان إسماً عادياً على الساحة الإيرانية، وهو دخل التاريخ من أبوابه العريضة. فـ”الأستاذ” يعدّ رمزاً وطنياً في إيران، وغالباً ما جمعته علاقة جدلية بسلطات بلاده، أكان خلال حكم الشاه، أو ما بعد قيام الجمهورية الإسلامية في العام 1979.

وفي تلك الحقبة (بعد العام 1979)، اعتبر ” شجريان” أن السلطات الجديدة ترغب في أن تجعل منه “موسيقياً مدجّناً” لتظهر من خلاله أنها “لا تُعارِض الموسيقى بشكل مطلق”. وحاول شجريان، أن ينأى بنفسه عن السياسة رغم أنه غنّى في البداية لدعم الحركة التي أطاحت آخر شاه في البلاد العام 1979 .

وفي العام 1997، رفض ” شجريان” استخدام هيئة الأنباء والتلفزيون الإيرانية أعماله من دون إذنه ، باستثناء عملين يتألفان من آيات مجوّدة هما “مناجات” و”ربنا”، وطلب حصرَ بثّهما خلال شهر رمضان.

ورغم منع بث موسيقاه وأمسياته الغنائية عبر الإعلام الرسمي في إيران منذ 2009، بقي صوت ” شجريان ” حاضراً مع الإيرانيين، وألبوماته تباع على رفوف متاجر ومكتبات في طهران وخارجها. ويقول ” شجريان” ، الذي لا يحصل في داخل إيران على تصاريح لإقامة حفلات إلا في حالات استثنائية ، إنَّ “أكبر إنجاز سياسي للفنَّانين الإيرانيين هو جعل الفن يكسب سمعة حسنة”.

وعلى هامش الاحتجاجات التي اندلعت على خلفية الاعتراض على نتائج الانتخابات الرئاسية في العام 2009، أعلن ” شجريان” دعمه لـ”الحركة الخضراء” التي خرجت من رحم هذه الاحتجاجات، مندداً بتصريحات الرئيس الإيراني السابق، محمود أحمدي نجاد، ضد المحتجين. كذلك، اعترض ” شجريان” على استخدام الإذاعة الرسمية لأغانيه التي تتحدث عن “حب الوطن”، وبعث برسالة إلى رئيس الشبكة يطالبه فيها بأن يتوقّفوا عن بثّ أعماله. وقال ” شجريان”  في الرسالة إن “أغانيه الوطنية تنتمي إلى سنوات ما قبل ثورة 1979 ولا علاقة لها بأيّ حال بما يحدث في البلاد الآن”.

وحينها، قال ” شجريان” في حديث سابق لوكالة “أسوشيتد برس” عام 2009: “بعد ما حدث (الاحتجاجات الشعبية)، هددت بتقديم شكوى ضدهم (الإذاعة) إذا استمروا في استخدام الموسيقى الخاصّة بي”.

وعندما سأله تلفزيون “بي بي سي” الفارسي، عن تلك الرسالة قال “شجريان” : “كان صوتي وسيظلّ صوت الحثالة (في إشارة إلى وصف احمدي نجاد للمتظاهرين بأنهم حثالة)”. أضاف: “كلّما سمعت أغنياتي في الإذاعة والتلفزيون أحسست بالخجل، فأنا لا أريد أن تُستغلّ موسيقاي لتبرير القمع”.

وخلال فترة الاحتجاجات هذه التي شهدت صدامات بين المتظاهرين وقوات الأمن، أطلق ” شجريان” أغنية “زبان آتش” (“لغة النار” بالفارسية)، في خطوة بدت بمثابة اعتراض على قيام عناصر الأمن بإطلاق الرصاص على المحتجين، وتقول كلمات الأغنية: أنا اكره سفك الدماء، والمسدّس الذي بيدك يتحدّث لغة النار والحديد. ألقِ سلاحك جانبا، تعال واجلس، تحدّث واسمع، فربّما يصل نور الإنسانية إلى قلبك”.

وأوضح ” شجريان” في تلك الفترة أن أعماله غالباً ما ترتبط بالوضع السياسي والاجتماعي، حتى وإن كان يغنّي أعمال شعراء طبعوا مراحل من تاريخ البلاد الثقافي الغني، مثل جلال الدين الرومي وحافظ الشيرازي.

وخلال مسيرته الفنية، أحيا شجريان حفلات غناء في دول عدة في العالم , وحصل على جوائز داخلية ودولية. وفي العام 1997، نال ” شجريان” جائزة “بيكاسو” و”يونسكو”، كما حصل على جائزة “موزارت” سنة 2006، فضلاً عن نيله وسام “جوقة الشرف” من فرنسا.

وترك ” شجريان” خلفه إرثاً حافلاً للغاية في الموسيقى والغناء، مقدماً تصنيفات غناء ستبقى خالدة في تاريخ الموسيقى الفارسية، حيث تجاوز صيته الحدود الإيرانية إلى أوساط الناطقين باللغة الفارسية في العالم وخصوصاً في أفغانستان وشبه القارة الهندية وباكستان وطاجيكستان.

ومع هذا، كان شجريان يجيد اللغة العربية في أداء الموشحات وتلاوة القرآن، كما يمتاز بحنجرة قوية يصعد بها طبقات عالية. وقد تأثر الفنان بوالده الذي كان يتلو القرآن الكريم وتعلم منه الكثير.