أخبار الآن | القامشلي- سوريا (بهزاد حمو)

قبل يومين فقط، كانت الزيارة الأولى لمرافقنا "إبراهيم أختا" 30 عاماً، إلى مقبرة أجداده الشيشان في رأس العين؛ فعلى الرغم من أن المقبرة لا تبعد عن المدينة، حيث ولِد ويعيش إبراهيم، سوى كيلومترات قليلة، غير أنها "لم تجذبه يوماً ولم تعنِ له، ولآلاف الشيشان من أبناء المدينة، شيئاً".

تضمُّ المقبرة، بحسب التواريخ المنقوشة على شواهدها الحجرية الضخمة، جثث مهاجرين شيشان، أوصلتهم الدرب إلى هذه البقعة البعيدة عن أوطانهم، منذ أواسط وحتى أواخر القرن التاسع عشر.

هجرة الشيشان الأوائل وخيارات الأحفاد

تعد "الهجرة الشيشانية" إلى المنطقة، جزء من سلسلة "الهجرات القوقازية" المتتالية إلى أراضي السلطنة العثمانية، عشرينات القرن التاسع عشر، حيث اشتدّت وتيرتها خلال وبعد حرب القرم "1853-1856" بين السلطنة، ومن خلفها حلفاؤها بريطانيا وفرنسا من جهة، وروسيا القيصرية من جهة أخرى.

تحكّمت الخلفية الدينية الإسلامية بوجهة المهاجرين، ولعب رجال دين وقادة طرق صوفية دوراً مفصليّاً في تشجيع الشيشان على الهجرة. يسرد المؤرخ الشيشاني "ميرزا بن سليميرزا" دور مجلس ديني مؤلف من الأعيان وشيوخ الطرق الدينية، في دفع الناس إلى ترك مواطنهم الأصلية شمال القوقاز، يقول ميرزا إن الشيشان المسلمين هاجروا: "امتثالاً لأوامر شيخهم الذي امتثل بدوره لأمر ربّه ونبيّهِ الداعي إلى الهجرة، وأن كلّ من تخلّف عنها، طغى وبغى".

ومن هنا بدأت حكاية استملاك واستصلاح العشائر الشيشانية لأراضٍ شاسعة في بقاع عدة من سوريا الحالية، وكانت رأس العين، من بين أهم نقاط استيطان المهاجرين الشيشان، حيث وصل إليها بحسب مصادر شيشانية محلية 12 ألف خانة، من أصل 50 ألف خانة وصلت سوريا، معظمهم رجال "مقاتلون ومزارعون بالضرورة" مع عائلاتهم. سقط بعضهم في المعارك التي خاضوها ضد جيرانهم الجدد من العشائر الكردية والعربية، فيما يروي الأهالي حكايات عن "الهواء الأصفر" الذي قضى على أعداد هائلة منهم. "تقول بعض المصادر إن نسبة ضحايا "الهواء الأصفر" في صفوف المهاجرين، وصلت إلى النصف".

لم تشهد سوريا افتتاح أية جمعية شيشانية، سياسية أو ثقافية، ولم يشهد الوسط الشيشاني أي حراك يبرز خصائص الهوية الشيشانية ويعرّف عنها. تكفّلت "الجمعية الشركسية" في دمشق منذ 1948 بمتابعة شؤون شيشان الحسكة، وخصّصت لطلابهم مقاعد في جامعات دول القوقاز بالإضافة إلى إعانات سنوية محدودة للمزارعين الشيشان، دون أن يكون هناك أي نشاط ثقافي أو اجتماعي، ولهذا السبب يُرجع الحقوقي "آراس إبراهيم" وهو من أبناء رأس العين، عدم معرفة الكثير من السوريين، "بوجود شيشان في سوريا أصلاً".

امرأة عربية كانت ترعى بأغنامها في المقبرة، لحظة تواجدنا هناك، اختزلت المشهد، حين سألتُها إن كانت تعرف لمن تعود هذه القبور، قالت بحيرة: "ما بعرف والله، ناس تقول كفار، ناس تقول مسيحية".

"مرة واحدة، شوهد علم الشيشان يُرفع في المظاهرات الشعبية بداية الثورة السورية" يقول "آراس". وأثناء دخول كتائب الجيش الحر وجبهة النصرة أواخر 2012 مدينة رأس العين، انضم عدد من شباب الشيشان إليهم، واختارت الأغلبية منهم جبهة النصرة، التي خاطبت فيهم هوية إسلامية، أبعد من الحدود السورية، "ولبسوا معها "القلبق" القبعة القوقازية الشهيرة".

عقب المعارك التي نشبت في المدينة بين كتائب الجيش الحر وجبهة النصرة من جهة، والوحدات الكردية من جهة ثانية، خرج المقاتلون الشيشان من المدينة، بعد سيطرة الأخيرة، فيما قُتل في صفوف غرباء الشام، الشاب "أحمد الشيشاني"، الذي رفع العلم الشيشاني في المظاهرات ذات مرة.

وخلال المعارك وبعدها، نزحت العديد من العوائل الشيشانية واستقرت في تركيا. السيد "أنور جاويش"، أحد الأعيان الشيشان المعروفين، ورئيس "مجلس أخوة الشعوب" المشكّل حديثاً من قبل الإدارة الذاتية، لا يعطي قيمة عددية وحتى اجتماعية للعوائل التي فضلت الخروج بعد "بعد تحرير الأكراد للمنطقة". فيما يقول "محمد" وهو شاب شيشاني قاتل مع لواء درع المسلمين في رأس العين، ومقيم حالياً في "أورفا" التركية، إن نسبة "الفارين" من الشيشان تتجاوز النصف، فيما يقدّر السيد جاويش عدد المتبقين بـ 3 آلاف نسمة.

وعلى خلاف نظرة محمد "السوداوية" حيال مشروع الإدارة الذاتية، يقول جاويش: "ما من خيارات أمامنا "شيشان رأس العين"، أفضل من الانخراط في مشروع الإدارة الذاتية، على اعتباره يحقق الاستقرار الذي سلبته الفصائل منا، كما ويعترف بوجودنا كمكون متمايز يجري تمثيله بنسبة 5% في إدارات السلطة الحاكمة وفق العقد الاجتماعي للمقاطعة "محافظة الحسكة"، بينهم نائب رئيس "هيئة الداخلية" السيد كامل أختا".

يرأس السيد "نايف أختا"، مع ابنة عمه "لميس أختا"، بلدية "السفح" جنوب رأس العين. وتعتبر البلدة معقلاً رئيسياً للشيشان، حيث لجأ إليها الآلاف مع دخول الجيش الحر إلى مدينة رأس العين، وشكّلوا فيها لاحقاً، كتيبة "الشهيد محمد طارزان" ضمن وحدات حماية الشعب الكردية.

إلا أن هذا "الاستقرار" و"التمايز" الذي يتحدث عنه أعيان الشيشان الممثَّلين في الإدارة الذاتية، لا يعدو كونه صورياً في تمثيل المكون الشيشاني، في الوقت الذي أدى غياب أية مرجعية سياسية أو اجتماعية أو حتى دينية، إلى اندثار الكثير من محددات الهوية الشيشانية في سوريا، وعلى راسها اللغة.

الجيل الخامس من "شيشان" رأس العين .. الحرب في سوريا وإعادة هندسة الوجود

الجيل الشيشاني الخامس .. بلا لغة في عصر "الشعوب السورية" الكثيرة

يضرب "مظهر" الطاولة بيده مراراً، وهو يتحدّث بانفعال وأسى، عن اندثار الشعب الشيشاني: "قريباً "مستدركاً" ليس قريباً، بل الآن، ليس هناك من الشيشان في رأس العين، سوى الاسم".

التحق "مظهر" بجامعة "غروزني" في الشيشان لدراسة الطب، والتقى في الفترة الأولى، شخصيات ثقافية شيشانية، محاولاً "استدرار عطفهم وحثّهم على تشكيل جمعيات تهتم بالثقافة واللغة الشيشانية في رأس العين".

عاد مظهر بعد أن دخلت القوات الروسية العاصمة غروزني، دون أن يكمل دراسته، أو يحقق هدفه "القومي". فقد مظهر اليوم أمله في إحياء اللغة والثقافة الشيشانية "على الرغم من هامش الحرية المتاح لنشاطات من هذا النوع في الوقت الحالي"، ولا يخفي الرجل استياءه من الوجوه المتصدرة للمشهد الشيشاني في رأس العين، ولا يرى أي أفق لوجودهم كشعب هنا.

ثلاثة أشخاص فقط يتحدثون اللغة الشيشانية في رأس العين، دون اتقان كامل للغة، وبدرجات متفاوتة. الخيارات اللغوية المطروحة اليوم أمام الشيشان، باتت تضم اللغة الكردية أيضاً، بعد انتشار المؤسسات والمعاهد المختصة، ناهيك عن إدراج الكردية في المناهج الدراسية في المناطق الخاضعة لسلطة الإدارة الذاتية.

الطفل "ساري أختا"، وعمره عامان فقط، يتعلّم الكردية من الشارع، ويمتحنه والداه يومياً. يعدُّ "ساري" للعشرة، ويردّدُ الشعارات التي تعلمّها من مسيرات حزب الاتحاد الديمقراطي، أما خاله "إبراهيم" فيبدو أنه قرّرَ أخيراً تعلم الكردية، وبات يردد بدوره كلمة "هفال" المفردة التي ينادي بها أنصار الاتحاد الديمقراطي بعضهم بعضاً.

"حدث الكثير، في رحلة انتقال الشيشان من ضفة "المهاجرين" إلى ضفة "هفال". يقول أحد الشيشان.الجيل الخامس من "شيشان" رأس العين .. الحرب في سوريا وإعادة هندسة الوجود