أخبار الآن | دمشق – سوريا (آية الحسن)
يعرف معظم الدمشقيين "جوقة الفرح" وهي جوقة كنيسة سيدة دمشق، التي أسسها الأب "الياس زحلاوي" منذ العام 1977، وبدأت مع خمسة وخمسين طفلاً، حيث كانت تقتصر نشاطاتِها على الإنشاد ليلة عيد الميلاد، إضافة لسلسلة من سهرات الإنشاد والابتهال.
خوف الأقليات من الثورة
ومن المعروف أيضاً أن عدد المسيحيين السوريين الواقفين إلى جانب الثورة يعتبر عدداً قليلاً، بعضهم خوفاً والبعض الأخر انصياعاً لأوامر الكنائس التي بدأت تحابي النظام منذ بداية الثورة ورفضت الاعتراف بها، لأسباب جرهم إليها النظام ورجال الدين، فاعتبروا أنهم مهددون بالخطر إذا سقط النظام، واتخذوا من أمر اقتحام داعش وسيطرته على بعض المدن المسيحية في شمال سوريا والعراق شماعة لرفض التغيير والخوف، ما جعلهم مستمرين في الوقوف مع النظام الذي أقنعهم بأنه يؤمنهم.
وهذا ما عملوا عليه ظاهرياً ووافق عليه النظام ودعمهم بكل نشاطاتهم. فمرةً تجد فيديو لبشار الأسد يزورهم أثناء تحضيرهم لإحدى الحفلات، ومرةً تُشيد أسماء الأسد بهم وتعتبرهم أغلى موهبة تملكها الأرض السورية، فيبدو التجاذب والمحاباة من الطرفين دائمة، مقابل حفظ الأمن والاعتراف بسيادة النظام على سورية.
رسائل سلام ملغومة
خارج كل ذلك، والأمر الذي اقتضى النظر بموضوع هذه الجوقة، هي رحلتها الأخيرة إلى "فرنسا" بدعوة من مؤسسة "أنقذوا مسيحي الشرق" الفرنسية، وقد أفاد بعض الناشطين المطلعين بأن وراء هذه الدعوة تقف مؤسسات اليمين المتطرف الفرنسي، والتي باتت مؤخراً تُصرح بشكل مباشر عن اعتراضها على تواجد اللاجئين السوريين في أوربا، والتبخيس الدائم من معاناتهم في عبور البحر وتحمل مشقة المسير الطويل للوصول لمكان آمن. كل هذه الممارسات للوقوف ضد حصولهم على إقامات وأوراق رسمية وتحديداً المسلمين في فرنسا، والحجة الدائمة هي الإرهاب.
تقول "لمى" 45 عاما: "موقف الأب زحلاوي من الثورة كان مفاجئا، وهو الذي علمنا معنى حبّ الآخر وتقبّل الجميع على اختلاف الطوائف والمذاهب، ولكن ما بات مفاجئا أكثر هو استمراره بدعم النظام وزج الأطفال والكنيسة معه بذلك، حتى أصبح الجميع يعرف عنه كم هو متملق وخائف".
وتابع "إيلي": "من المعيب الكلام الذي قاله وتناقله الجميع بأن أطفال جوقة الفرح هم أطفال سوريا حاملين السلام والمحبة إلى العالم، عن أية محبة يتحدث؟ ولماذا التفريق بهذا الشكل، معتبراً أن اللاجئين لا علاقة لهم بالمحبة والسلام، لا يمكنك اعتبار هذا الكلام إلاّ تفرقة وتخوين بين أبناء الشعب الواحد".
وفي الوقت الذي يحلم الكثيرين بالحصول على "فيزا" تؤمن عبوراً أسهلاً وأقل مشقة، يحصل أكثر من 15 موسيقياً، و114 طفلاً منشداً على دعوة لإقامة الحفلات، مرعية ومدفوعة التكاليف، فقد أخذت المنظمة على عاتقها تنظيم الفعالية وتكاليف سفر أعضاء الجوقة.
تأسست جمعية "نجدة مسيحيي الشرق" الفرنسية في تشرين الأول 2013 في أعقاب سيطرة "جبهة النصرة" على بلدة "معلولا" السورية. وتقدم هذه الجمعية العون الطبي والتربوي والمعنوي لمسيحيي الشرق في سوريا ولبنان والعراق والأردن.
على صفحة الجوقة على فيسبوك، نشاهد الكثير من مقاطع الفيديو لرحلة الجوقة، حيث يجتمع الصغار حول بعضهم وينشدون الأغاني والتراتيل في كل مكان، حاملين رسالة تدعم النظام بشكل صريح مفادها: "من بلدٍ اختاروا لها حرباً ودماراً، من شعبٍ اختار الحياة قراراً، من سورية إلى فرنسا، جوقة الفرح تدعو إلى السلام والكرامة".
رسالة الأب زحلاوي .. التشبيحية
وتبريراً لسفره، قام الأب بتصوير شريط فيديو اعتبر مستفزاً للكثيرين، كما يصفها "سامي" سوري مقيم في فرنسا، ويتابع: "أخذ الأب على عاتقه دعوة السوريين في الخارج إلى محبة سوريا الذي يقصد فيها النظام، ويدعو الجميع ليكونوا مع البلد، وهذا ليس إلاّ كلاماً فضفاضاً لا معنى له، ويبدو أنه ما زال يؤمن بالنظام بشكل أعمى، ويريد من الجميع تصديقه وتتبعه. وباعتباره منكراً لحقيقة الثورة راح يطلق أحكاماً جائرة يهدف منها تبيض صفحته، وإهانة الآخرين".
وخلال الرسالة المصورة يقول الأب بأنه يخشى كل ما يأتي من الغرب لذلك حاول الاستفسار حول حقيقة الجمعية ومؤسسيها، وبعد أن اكتشف بأنها مرخصة في سوريا وافق على السفر.
تقول أمل: "في هذه اللحظات المميزة من تاريخ الثورة السورية، وخلال كل ما يحصل من متغيرات إيجابية تبدو رسائل سلام كهذه كاذبة ومفضوحة، ولا تأثير لها".
أطفال جوقة الفرح ليسوا وحدهم أطفال سوريا
بعد انتشار فيديوهات حفلاتهم التي بدأت من كنيسة "نوتردام" الشهيرة في باريس، وتابعت إلى ليون ومدن فرنسية أخرى، مستمرة حتى 25 آذار الجاري، انطلق البعض للاعتراف بهم كأطفال سوريا وحملة السلام إلى العالمية، وبدأوا بالمقارنة بينهم وبين الأطفال اللاجئين. يُهللون لهم ويعيبون على الآخرين لجوئهم الاضطراري الذي دفعهم إليه الأسد بحربه بشكل أساسي، فانبرى العديد من الناشطين والمسيحيين تحديداً برفض الاعتراف بمكانة "الأب زحلاوي" لأنه يزج الطفولة بالمشكلات السياسية، ويفرق بين مسلم ومسيحي، ويعيب على اللاجئين حياتهم في الخارج، فقد بدا من الواضح أنها ليست سوى رسائل اليمين المتطرف ولكن بلسان سوري، مدعياً لنفسه أحقية القول، ومعيباً على الآخرين مواقفهم.
قد لا يبدو مستغرباً كل ذلك، فالمعروف عن تاريخ الكنيسة "كمؤسسة دينية" أنها لم تقف إلى جانب الثورات، بل عملت على إخضاع مُريديها للسلطة المطلقة وتحريم التمرد.