أخبار الآن | الرقة – سوريا (عزام الحاج)

تعمل في هذه الأيام عوامل عدة على تغيير الهوية العميقة لمدينة الرقة عمارة وبشراً وهوية ثقافية. بعض هذه العوامل يهدم ويغيِّر البنية المادية والنسيج العمراني للمدينة، فيما يعمل بعض آخر على طمس واستبدال الذاكرة الثقافية والهوية الروحية والبعد المعنوي لسكانها ومكانهم بغرض إحلال رموز وممارسات وثقافة مختلفة عما صنعه وألفه سكان هذه البقعة من سوريا.

القصف وتدمير معالم المدينة

لقد عمل نظام الأسد، ومنذ فقد السيطرة الفعلية على المدينة في 4 آذار 2013، على جعل العيش في المدينة ضرباً من القمار اليومي إن لم يكن مستحيلاً عبر القصف بالطيران والصواريخ بعيدة المدى. والحصيلة هي تدمير ممنهج لعمران المدينة، الدور السكنية ومباني مؤسسات الدولة مثل "المركز الثقافي والمشفى الوطني والمجمع الحكومي ومبنى العيادات الشاملة وبناء شركة الماء وبناء شركة الكهرباء وشارع 23 شباط وشارع المتحف ومحطة القطار وساحة الكرنك". ودفع سكانها إلى البحث عن فرصة للنجاة بأرواحهم من هذا الجحيم اليومي عبر هجرات ونزوح يومي نحو تركيا وغيرها من دول الشتات السوري ونحو مدن سورية أخرى بقيت في مأمن من القصف والقتال الدائر لسبب أو لآخر. وزاد التدمير كماً مع بدء التحالف الدولي عملياته العسكرية ضد داعش، الذي حوّل الرقة إلى حصن له وسكانها إلى درع بشري في وجه هذه الهجمات. ثم دخل الطيران الروسي عاملاً مُدمراً إضافياً منذ أشهر ليرفع الحصيلة اليومية من الخراب في العمران والقتل والتهجير لمن صمد في المدينة من أهلها.

والتغيير الديمغرافي والهوية الثقافية

يعمل داعش على تغيير التكوين الديمغرافي لمدينة الرقة عبر استجلاب مقاتلين جوالين يسميهم بـ "المهاجرين" ويوطِّنهم في بيوت أبناء المدينة من ناشطين وسياسيين معارضين وقادة ومقاتلين في الجيش السوري الحر، كما في منازل مهاجرين يُعرف عنهم معارضتهم للنظام سابقاً ولداعش راهناً. كما يستبدل أسماء الأماكن العامة، الساحات والشوارع والأحياء والمدارس وغيرها من المرافق العامة، بأسماء مستمدة من التاريخ الإسلامي في مراحله الأولى حصراً. كما دمّر داعش المتشدد جزءا من ذاكرة الرقيين عندما حطَّم تمثال الخليفة العباسي "هارون الرشيد" الذي كان منصوباً في المدخل الشرقي لحديقة الرشيد في وسط المدينة وتمثالين لأسدين حجريين في المدخل الغربي لهذه الحديقة ذاتها. وسرق مجاهدون آخرون، بعضهم تحوّل إلى داعش لاحقاً، ونهبوا كل ما يحتويه متحف المدينة من آثار من مختلف العصور.

إضافة إلى ذلك، يمارس داعش إرهاباً يومياً بحق مخالفيه وبحق كل من لا يتقيد بالأحكام والأوامر القراقوشية التي يصدرها شرعيوه وأمنيوه، مما يدفع أفراد قطاعات سكانية واسعة إلى الهجرة خارج المدينة حفاظاً على أرواحهم أو للمحافظة على قيمهم وأسلوب تربية وتثقيف أبنائهم؛ مما يفقر المدينة من عنصر اجتماعي أصيل ومبادر يصعب تعويضه في المدى المنظور.

الساحات مسرحا للقتل

لقد حول داعش ساحات الرقة الرئيسة، ساحة دوار شارع تل أبيض، المعروفة شعبياً باسم ساحة الدلة، وساحة عبد المنعم جاهد، المعروفة شعبياً باسم ساحة السبع بحرات ثم دوار النعيم لاحقاً، وساحة الساعة إلى مسارح للقتل، يسميها بعض أنصاره ساحات النطع حيث قتل فيها ومثّل بجثث عشرات المواطنين السوريين عسكريين ومدنيين، موالين ومعارضين. فساحة دوار تل أبيض هي النقطة الأكثر حيوية ونشاطاً في نهار الرقة، إذ تقع في الوسط من مركزها التجاري ويقع في جانبها الشرقي سوق الخضار واللحوم الذي يتسوق معظم سكان الرقة منه حاجاتهم اليومية أو الأسبوعية من هاتين المادتين. أما ساحة، أو دوار النعيم، فهي أحد متنفسات المدينة وعلى عشبها تقضي الكثير من عائلات الرقة أمسياتها الصيفية في السمر أو في تناول المرطبات في أشهر محل للمرطبات في المدينة، وساحة الساعة هي بدورها من أنشط مفاصل المدينة حركة وحيوية حيث تقع على أطرافها بعض أهم مؤسسات الدولة حيوية وارتباطاً بالحياة اليومية لسكان المدينة.

وحيث تحولت كثير من معالم المدينة العمرانية، وبغض النظر عن قيمتها المعمارية والجمالية، إلى ركام أو فراغ، وحيث تغيرت وجوه السكان وطرقهم في السلوك والحديث واللباس واللهجة، وحيث بُدلت أسماء المدارس والشوارع لتأخذ أسماء أشخاص نُفض عنهم غبار التاريخ، تبقى الرقة مكاناً وبشراً منذورين للإمحاء، وحدها عقول وأرواح أبناءها ما تستطيع وستستطيع حماية وإدامة معنى هذه المدينة وإعادة بعثه من جديد. أبناؤها الذين صنعوا دائماً ذاكرتها هم من سيبقيها قائمة بشراً وحجراً كما بعثوها عقب خرابها الكبير في العصور الوسطى.