أخبار الآن | ريف حماة – سوريا (وضحى العثمان)
كان يوم العاشر من حزيران 2012 حين اقتحمت قوات النظام مدينة "كفرزيتا". كان الذهول سيد الموقف والخوف كان أعلى من همم الرجال. كانت الخامسة فجراً ولكن فجر السوريين يختلف عن فجر سواهم، القهوة والهدوء الصباحي لا يمكن أن يلتقوا في فجر لوثه دخان الدبابات وأصوات الرصاص ورائحة البارود.
"أمّ محمود" أصرّت على أولادها وابن أختها المنشق من الجيش ليذهبوا إلى الحقول المجاورة خوفاً على حياتهم حيث جرت إعدامات ميدانية طالت العشرات من الأهالي في مدينة "الّلطامنة" المجاورة قبل عدّة أيّام. بعد إصرارها الشديد انصاع الأولاد لقلب الأم وليهدّؤوا خوفَها. ذهب الشباب الخمسة "عبادة وخالد ومحمد وعبد الحق وقتيبة" إلى الأراضي الزراعية المجاورة وذهبت أمّ محمود إلى مطبخها تعدُّ الشاي لزوجها.
لحظاتٌ قليلةٌ حوّلت الحياة لموت متكرر
تروي لنا "أمّ محمود" التفاصيل بصوت يخنقه الحزنُ والبكاء: "عندما سمعت صوت إطلاق النار سقط إبريق الشاي من يدي وسقط قلبي لأشعر أنّ تلك الرصاصات تخترق صدري، ليعلو صوت زوجي فوق صوت الرصاص. لم يكن كما عهدته، كان مرتجفاً رغم حدّته، منكسراً رغم قوته. "أولادي أولادي" كان يصرخ. خرجنا من البيت إلى الشارع تخوننا الأقدام التي عجزت عن حملنا، مرَّ شابٌ على دراجة نارية وقبل أن يخبرنا بشيء عرفت ما جرى من اصفرار وجهه، قال لنا: أطلق الجيش النار والشباب بين الحياة والموت. كان جيش الأسد قد دخل المدينة ولم يعد بإمكان أحدٍ أن يخرج أو يطلَّ برأسه لتمرَّ ثلاث ساعاتٍ أطول من ثلاثة دهور. حاولت الذهاب إلى حيث أبنائي ولكن الجيران والأقارب حالوا بيني وبين الخروج خوفاً على حياتي".
غادر المجرمون كفرزيتا، وانطلق "أبو محمود" إلى مكان تواجدهم لكنه لم يعد، الضجيج والدعاء واستجداء الله والبكاء كان كلّ ما أذكر، وأغمي عليّ لأصحو وأجد أبنائي وابن أختي ممدّدين على الأرض غيّرت ملامحمهم خطوط الدّماء وأياديهم مكسرة و"أبو شحود" أول رجل شاهد مقتلهم ممدّدا بجوارهم، كان قد فقد حياته بعد أن رأى المشهد فأصابته سكتة قلبية. أغمي عليّ لأصحو على صوت أبو محمود يمزّق السّماء.
ما أصغر "الحب في زمن الكوليرا" أمام الحب في زمن الثورة
جاءت من كان الجميع يخشى أن تأتي بفستانها الأبيض، العروس "ريم" خطيبة "عبادة". طلبت من الجميع الخروج ودمعتها تكبر في عينها، لم يكن باستطاعتها النطق غير أنّها طلبت من الجميع الخروج. سحبتني من يدي وقالت: "كوني معي". أغلقت الباب وبدأت تمسح دماء خطيبها بشعرها ووجهها كما لو أنها تضع الحنّاء وتقول: يا خالتي لقد أعددتُ كلَّ ما يلزم لعرسي ها أنا جاهزة اليوم للزفاف، اتفقنا أن ننجب أربعة أطفال ونزرع قرب نافذة غرفتنا ياسمينة، ورغم وجعي أنا الأمُّ الثكلى إلّا أنّني كنت أحاول التخفيف عنها وإخراجها من الغرفة ولكن لم أستطع إلا بعد إعطائها إبرة مخدر.
حملوا الشهداء على الأكتاف وعَلَت الزغاريد لتعود وتصحو من المخدر. الصدمة كانت أكبر من أن تسيطر عليها العقاقير الطبية. قالت لي حينها: ألم تعديني بأن تغني بعرسي؟. وهنا لم تستطع أم محمود أن تكمل.
تقول "فاتن" أخت عبادة: كان المشهد يشبه الكوابيس التي لا نصحو منها، كلُّ أهالي القرية حضروا، وبدأت ريم إضرابها عن الطعام وبدأ جسمها الذي كان يزخر بالحياة والجمال بالنحول، ربيعاً باغته الخريف وفعل به فعل النار بالحطب.
وبعد فترة جاءت ريم تحمل ملابسها ودخلت غرفة عبادة وطلبت من والدتي أن تدعو الجيران ليشاركوها حفل زفافها من عبادة، حاولنا والجيران إقناعها بأن تعدل عن جنونها وتهدأ ولكن لا فائدة. ارتدت فستانها الأبيض وسرّحت شعرها وطلبت من الجميع الغناء لها، وبعد الانتهاء من الطقوس التي فرضتها أغلقت باب غرفتها وأقفلت الباب على نفسها وبعد محاولات فاشلة لفتح الباب تمَّ كسره ليجدوا "ريم" ممدَّدة على الأرض محتضنة صورة عبادة وبجانبها ورقة كتب عليها: عذراً يا أيُّها الناس فلقد وعدت عبادة بأن أكون عروسه في الأرض والسَّماء.
الموت كان المخلِّصُ والمنقذ لـ "ريم" وكان سبيلها الوحيد للتخلُّص من ديمومة العذاب. كان قبرها بجوار قبر عبادة وكتبت أمُّها على شاهدة قبرها "عروس الجنة".