من الجولاني لأحمد الشرع.. التحول الذي قد يحدد مستقبل سوريا
في مايو 2025، ظهر أحمد الجولاني، القائد الجهادي السابق لهيئة تحرير الشام، على الساحة العالمية في باريس، حيث التقى بالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون—في تحول مذهل لرجل كان في صفوف تنظيم القاعدة. زيارته، التي طغى عليها الجدل حول ماضيه المرتبط بالتنظيم، تطرح سؤالًا جوهريًا: من هو الرجل الذي يقود اليوم مرحلة التحول الهشة في سوريا؟
في هذا المقال الحصري لـ”أخبار الآن”، يكشف الباحث كيفن جاكسون عن وثائق داخلية خاصة بتنظيم داعش، كتبها أبو بكر البغدادي ومساعدوه في مارس وأبريل 2013، وتسلط الضوء على السنوات الأولى للجولاني في قيادة جبهة النصرة بين عامي 2011 و2013. تكشف هذه الملفات طموحه ومهاراته السياسية، والانفصال المحوري عن داعش، وهي عوامل لا تزال تؤثر على أسلوب حكمه حتى اليوم.
ومع تصاعد العنف الطائفي ضد العلويين والدروز، وتعهد الجولاني بالانفتاح وتواصله مع إسرائيل والغرب، يفرض ماضيه الغامض نفسه كسؤال لا بد من التوقف عنده. تحليل الباحث المبني على هذه الوثائق يقطع الشك باليقين، ويمنح القارئ فرصة فريدة لفهم كيف أن رحلة الجولاني من الجهادية إلى السياسة قد تحدد مستقبل سوريا—إما نحو الوحدة أو نحو مزيد من الانقسام.
الولاءات المتضاربة: القصة الداخلية لانفصال الجولاني عن البغدادي
كان أبو بكر البغدادي في حالة من الانزعاج في العاشر من شهر أبريل من عام 2013، تحديدًا في شمال سوريا. ففي اليوم السابق، بثّ زعيم تنظيم الدولة الإسلامية في العراق (ISI) تسجيلًا صوتيًا أعلن فيه أن جبهة النصرة، التي كانت تُعدّ آنذاك الفصيل الجهادي الأبرز في سوريا، ما هي إلا فرع تابع لتنظيمه. ولم يقتصر الإعلان على ذلك، بل كشف أيضًا عن اندماج التنظيمين في كيان جديد يحمل اسم “الدولة الإسلامية في العراق والشام” أو داعش (ISIS) .
لم يكن إعلان البغدادي عن العلاقة السرية بين جبهة النصرة وتنظيم الدولة الإسلامية في العراق مفاجئًا للمتابعين الخارجيين. فالولايات المتحدة كانت قد صنفت الجماعة، قبل أربعة أشهر من ذلك، على أنها اسم مستعار لتنظيم الدولة الإسلامية في العراق، التنظيم الذي تأسس عام 2006 بوصفه امتدادًا لتنظيم القاعدة في العراق (AQI).
لكن ما لم يكن في الحسبان — وأثار دهشة كثيرين، وأغضب البغدادي شخصيًا — هو رد قائد النصرة، أبو محمد الجولاني، بعد 24 ساعة فقط. ففي خطاب علني، أقر الجولاني بأن تنظيم الدولة لعب دورًا رئيسيًا في نشأة جبهة النصرة، إلا أنه رفض الاندماج الذي أعلنه البغدادي، مشددًا على أن ولاء النصرة يبقى لقيادة تنظيم القاعدة المركزية.
رد الجولاني دفع البغدادي إلى التحرك فورًا. جلس وكتب رسالة سرية موجهة إلى أيمن الظواهري، زعيم القاعدة آنذاك، وصف فيها الجولاني بـ”الخائن” الذي طعن التنظيم في ظهره.
لم تكن تلك هي المرة الأولى التي يعبّر فيها قادة تنظيم الدولة الإسلامية في العراق عن استيائهم من أبو محمد الجولاني أمام القيادة المركزية لتنظيم القاعدة. ففي 29 مارس، أي قبل نحو أسبوعين من تسجيل البغدادي الصوتي، كتب الأخير شهادة شخصية مفصلة سرد فيها أبعاد الخلاف بينه وبين الجولاني. وبناءً على طلبه، قدّم اثنان من أبرز مساعديه شهادات مماثلة؛ أبو علي الأنباري في اليوم نفسه، وأبو محمد العدناني بعد ذلك بيومين، في 31 مارس.
كان الأنباري، وهو عراقي الجنسية، يشغل منصب نائب البغدادي، في حين كان العدناني، المتحدث باسم التنظيم، شخصية بارزة من أصول سورية، وإن كانت رتبته أدنى من الأنباري. ما جمع بين الرجلين هو أنهما سبقا البغدادي في الانتقال إلى الساحة السورية، حيث عملا هناك قبل وصوله بعدة أشهر، وكانت تربطهما معرفة سابقة بالجولاني امتدت لسنوات.
كان لقادة تنظيم الدولة الإسلامية في العراق سبب وجيه لإرسال شهاداتهم إلى “شيوخنا في خراسان”، وهو اللقب الذي أطلقوه على قيادة القاعدة في منطقة أفغانستان-باكستان. إذ كان أيمن الظواهري، زعيم القاعدة، يمثل السلطة العليا التي تجمع بين تنظيم الدولة وجبهة النصرة، وكان من الضروري إقناعه بالتدخل لكبح تمرد أبو محمد الجولاني وضبط الأمور داخل التنظيم.
حرص تنظيم الدولة الإسلامية في العراق على ألا تقتصر تحالفاته في النزاع مع الجولاني على القاعدة المركزية فقط، بل سعى إلى بناء شبكة دعم أوسع داخل المجتمع الجهادي العالمي. تولى أبو محمد الفرقان، المستشار العراقي المقرب من البغدادي ومدير قسم الإعلام في التنظيم، مهمة التواصل مع بعض كبار القادة لتعزيز موقف التنظيم في الصراع الداخلي.
وقام الفرقان، في 23 أبريل 2013، بتوجيه رسالة موجزة إلى فروع تنظيم القاعدة في اليمن والصومال ومنطقة الساحل الصحراوي، بالإضافة إلى جماعة جهادية غزاوية نشطة في سيناء، أرفق معها النسخ الأربع من شهادات البغدادي ومساعديه الموجهة إلى القيادة المركزية للقاعدة.
على الرغم من الاهتمام الواسع الذي حظيت به الفترة بين 2011 و2013، والتي شهدت صعود الجولاني وخلافه مع البغدادي، من قبل الصحفيين والباحثين، إلا أن هاتين السنتين الحاسمتين بقيتا غامضتين إلى حد ما. فقد تحدث بعض الأطراف الرئيسية، ومن بينهم الجولاني في مقابلة مع برنامج “فرونت لاين” أُذيعت في فبراير 2021، عن هذه الأحداث بشكل علني، إلا أن معظم اللاعبين الرئيسيين اقتصروا على التطرق إلى هذه الفترة دون الكشف عن القصة الكاملة.
وهذا يوضح مدى أهمية وتميز ملفات داعش التي حصلنا عليها بشكل حصري. فهذه هي المرة الأولى التي نحصل فيها على وثائق داخلية كتبها بعض أبرز كبار القادة المشاركين في النزاع. بالإضافة إلى ذلك، تركز هذه الملفات بشكل كامل على الفترة بين 2011 و2013، حيث تغطي كل شيء بدءًا من تأسيس جبهة النصرة وحتى انفصالها عن داعش. والأهم من ذلك، أن المرفقات الأربع كُتبت جميعها قبل اندلاع ما سُمي بـ”الفتنة” أو في يومها ذاته، بخلاف المواد الإعلامية الأخرى التي بدأت بالظهور بعد مرور عام على الأحداث.
وبالنظر إلى الروايات الأولية الأخرى التي صدرت عن شخصيات رئيسية معنية في ذلك الوقت، تسلط ملفات داعش ضوءًا جديدًا على العامين الأولين للجولاني – المعروف حاليًا باسم أحمد الشرع – كقائد جهادي، وتساعد في إعادة تركيب أجزاء اللغز وراء صعود “الرجل القوي الجديد” في سوريا إلى موقعه الحالي.
العودة إلى الوطن
قال أبو بكر البغدادي إن تنظيم داعش كان يمر بـ”ظرف حساس” في ربيع عام 2011، حين أدّت أيديولوجيته المتشددة وأساليبه الوحشية إلى نفور قاعدته السنية، فيما أنهكته سنوات من العمليات المشتركة بين القوات الأمريكية والعراقية، إلى جانب تعبئة العشائر المحلية ضمن ما عُرف بـ”الصحوة”، ما أجبره على الانسحاب إلى صحراء العراق.
ورغم ما كان يعانيه من نقص في الأفراد والتمويل، بدأ تنظيم داعش في العراق يخطط لعودته، وشرع في إعادة نشر مقاتليه في أنحاء البلاد استعدادًا للانبعاث من جديد.
في تلك الأثناء، كان قادة التنظيم يراقبون عن كثب ما يجري في الجوار السوري، حيث كانوا يملكون شبكات دعم وتسهيل راسخة. ومع تصاعد انتفاضة شعبية ضد نظام بشار الأسد، رأى البغدادي ونوابه فرصة نادرة لتحويل سوريا من “أرض دعم” إلى “أرض جهاد”.
أوضح أبو بكر البغدادي لاحقًا: “لقد أرسلتُ الأخ فاتح إلى الشام بعد تزكية إخوة أفاضل في مجلس الشورى، في وقت كنا نسعى فيه بكل طريقة لانتداب أخ من أهل الشام مزكّى ليبني لنا قاعدة عمل هناك”. كانت هذه الخطوة بمثابة عودة إلى الجذور، إذ إن الشام كانت المنطقة التي ركز عليها الأب الروحي لتنظيم داعش، أبو مصعب الزرقاوي، قبل أن يُغيّر الغزو الأمريكي للعراق مسار خطته.
قال البغدادي ومستشاروه إن المهمة يجب أن تُسند إلى سوري، رغم وجود عراقيين مؤهلين في صفوفهم، إذ كان على قادة داعش في البداية إيجاد المرشح المناسب لإنشاء فرع لهم في سوريا، ووقع الاختيار في نهاية المطاف على أبو محمد الجولاني.
ومن النظرة الأولى، بدا اختيار الجولاني مفاجئًا؛ إذ إن سيرته الجهادية وإنجازاته في المعارك كانت أقل من المثالية:
- ولد في السعودية لعائلة من هضبة الجولان، وبدأ مشواره العسكري في عمر العشرين عندما ترك دراسة الإعلام وذهب إلى العراق لمحاربة التحالف بقيادة الولايات المتحدة في مارس 2003.
- عاد سريعًا إلى سوريا، حيث انضم لفصيل شمالي عراقي كان في البداية تابعاً لـ أنصار السنة، منظمة جهادية يهيمن عليها الأكراد في العراق، ثم انضم إلى صفوف الزرقاوي. وبايع تنظيم القاعدة في عام 2005 وعمل جنديا في مفرزة العبوات “المتفجرات” في الموصل، وفقًا للعدناني.
- بعد عدة أشهر، وتحديدًا في 14 مايو، أسره الجيش الأمريكي.
- العدناني كتب عنه: “بحسب علمي وما بلغني عنه إنه ما خاض معركة واحدة، بل لم يطلق طلقة واحدة على العدو”.
رغم عدم تحقيق الجولاني نجاحات ملحوظة في ميدان القتال، فقد صنع اسمه خلال نحو ست سنوات قضّاها في سجون العراق، من أبو غريب إلى بوكا ثم كروبر والطاجي. كانت هذه الفترة التكوينية فرصة له للاختلاط بشخصيات إرهابية بارزة، من بينهم بعض قادة داعش المستقبليين.
في سجن بوكا، كان محظوظًا بما يكفي ليُرحب به في ما يُعرف بـ”خيمة الزرقاويين”، وهي مجموعة مميزة، حيث، بحسب العدناني، “كان مشاعا بين الناس إنه لا يقبل أحد في الخيمة إلا إذا كان من الخواص والمقربين في القاعدة”. هناك، لفت الجولاني أنظار كبار القادة بحماسه للدراسة والقراءة، مما جعله يحظى بدعمهم. قال العدناني: “وهذا كان أول طريق التزكية لهذا الأخ“.
خلال هذه السنوات، بنى الجولاني علاقة مصيرية مع رجل عراقي مسن يُعرف بأبي معتز القرشي، وهو من مواليد تلعفر في شمال العراق. كان أبو معتز واحدًا من “الضباط التائبين” كما أطلقت عليهم داعش، وهم ضباط عسكريون عراقيون خدموا في عهد صدام حسين ثم انضموا إلى صفوف الجهادية.
كان القرشي في البداية منتمياً إلى أنصار السنة، ثم انضم إلى تنظيم القاعدة في العراق (AQI)، حيث لعب دورًا عسكريًا رئيسيًا في مسقط رأسه والموصل. أُسر في أبريل 2006 أثناء توجهه للقاء الزرقاوي، وقضى السنتين الأخيرتين من احتجازه بالقرب من الجولاني. وكان الجولاني “يُعجب به”، بحسب العدناني. خلال تلك الفترة، ناقش الجولاني مع القرشي مستقبل الجهاد، حيث كشف عن خطته القديمة التي كان يحملها حينها: شن “الجهاد” في سوريا للإطاحة بالأسد.
في 13 مارس 2011، قبل انطلاق الاحتجاجات الأولى ضد نظام الأسد بيومين، أُطلق سراح الجولاني من سجن الطاجي. قال الجولاني عن تلك اللحظة: «عندما خرجت، كان القرشي أول من قابَلني». أما القرشي، الذي أُفرج عنه قبلها بأربعة أشهر، فقد عُيّن من قبل البغدادي قائدًا لـداعش في “المنطقة الشمالية”، وهي المركز الرئيسي للتنظيم التي تضم الموصل.
بعد فترة قصيرة، ترقّى الجولاني ليصبح أحد كبار قادة التنظيم، حيث انضم إلى مجلس الشورى ورأس “اللجنة العامة للمتابعة والتنسيق في الدولة”. ورغم بقائه مع القرشي في شمال العراق، كان ذهنه مشغولًا بمكان آخر، الوطن الذي يشتاق إليه بشدة.
رغم محاولات القرشي للاحتفاظ بالجولاني، كان الأخير “مصممًا على العمل في سوريا”، بحسب العدناني. لذلك طلب القرشي من الجولاني توثيق مشروعه الجهادي طويل الأمد في سوريا في تقرير، ليُرسل بعد ذلك إلى البغدادي للموافقة عليه.
امتثل الجولاني وشرع في صياغة الخطوط العريضة لمشروعه، الذي أطلق عليه اسم “جبهة النصرة لأهل الشام من المجاهدين في ساحات الجهاد في الشام”. وقدم دراسة مفصلة عن سوريا، تضمنت تركيبتها العرقية وخصوصياتها الجغرافية، مع تأكيده على “الاختلافات الأساسية بين الشام والعراق”. فبينما كان القتال في العراق رد فعل على احتلال أجنبي، اعتبر التمرد السوري “ثورة شعبية” بالأساس.
تركز الجدل الرئيسي في الوثيقة على أن قيادة داعش لا ينبغي أن تسعى لتكرار النموذج العراقي في سوريا، وبين فيها الجولاني “ أهدافه القريبة المباشرة وغير القريبة، وذكّر بضرورة الاستفادة من تجربة العراق، والأخطاء التي وقعت، وأننا لا بد أن نكمل من المائة التي وصل إليها الجهاد، وليس من الصفر الذي بدأ به الشيخ الزرقاوي“.
حتى ذلك الحين، لم يكن البغدادي يعرف الجولاني جيدًا، وكانت معلوماته عنه مقتصرة على ما سمعه من القرشي بعد إطلاق سراح الأخير في أواخر 2010. كان إرسال التقرير نقطة تحول مهمة.
يقول العدناني: “وأُرسل التقرير للشيخ فاعجب به فرشحه”. مع ذلك، لم يكن بإمكان الأمير العراقي اتخاذ قرار حاسم بمهمة بهذا الحجم اعتمادًا على وثيقة جيدة فقط. كان بحاجة إلى تقييم شامل، فاستطلع آراء كبار مساعديه الذين تعرفوا على الجولاني خلال فترة السجن، وكانوا في أفضل موقف لتقييم شخصيته.
جاءت ردود الفعل من قادة داعش إيجابية إلى حد كبير، وكان القرشي من أكثر الداعمين حماسة للجولاني. ويقول العدناني: “وكان ممن زكاه الأخ مسؤول اللجنة بل ألح على الشيخ لإرساله للشام وتكليفه بالعمل هناك”. وبناءً على هذه التأييدات الرفيعة المستوى، أقر البغدادي ترشيح الجولاني.
لم يغادر الجولاني العراق فورًا، بل التقى قبل انتقاله بالبغدادي وبعض أعضاء مجلس الشورى، على الأرجح في محافظة بغداد حيث كان الأمير العراقي مختبئًا. قال الجولاني: “كنت سأتولى مسؤولية كبيرة… لذا كان من الضروري أن تنشأ علاقة شخصية”.
استند القادة إلى تقريره ليقدموا له خارطة طريق واضحة للعمل في سوريا، “حيث تم تكليفه ورسمت له تفاصيل العمل والمراحل الواجب إتباعها هناك بكل دقة” بحسب البغدادي. وأضاف العدناني: “حتى إني سميت له بعض المناطق الحساسة في الشام ليركز عليها في العمل، وسميت له بعض الأهداف العسكرية الحساسة”. كما وعد القادة الجولاني ” بدعمه بالرجال والسلاح والمال بحسب القدرة”، حسبما قال البغدادي.
بعد تعيينه قائدًا لجبهة النصرة، كان الجولاني يفتقر إلى الخبرة القيادية السابقة، فاختبره البغدادي بتكليفه “مشرفاً” على الموصل. وبعد نحو شهرين من العمل هناك تحت إشراف القرشي وضغوطه على القادة لتسريع إرساله، منح البغدادي الجولاني الإذن بالمغادرة. وبحلول أغسطس، وبعد ست سنوات من الغياب، عاد السوري إلى وطنه.
أولى شرارات الصراع
في سوريا، بدأت النصرة بمجموعات صغيرة. قال الجولاني: “طلبت 100 رجل يرافقوني، لكن جاءني ستة فقط من العراق”. استقر المؤسسون أولاً في دمشق، حيث عملوا على بناء شبكة من الاتصالات العسكرية لتوسيع مشروعهم الجديد، وبحسب قول أحد المؤسسين “كنا نتنقل في أنحاء البلاد”.
هذه الجهود سمحت لهم بتوسيع نفوذ النصرة في مختلف المناطق السورية. بحلول أواخر 2011، أصبحت الجماعة نشطة، وركّزت هجماتها على أهداف النظام، معتمدة على تعاون عملي مع الثورة السورية الأوسع. وبحسب تقديرات الجولاني، وصل عدد مقاتلي النصرة خلال عام إلى نحو 5000، ما جعلها قوة قتالية مؤثرة على الأرض.
رغم “الوضع الحساس” لتنظيم داعش في العراق، ساعد التنظيم في تمهيد انطلاقة النصرة في سوريا. قال البغدادي: ” لكننا قدمنا حاجة الشام“.
قدّم التنظيم الدعم المالي والمادي لفصيله السوري، حيث كان يرسل نصف ميزانيته الشهرية — نحو 50,000 دولار — إلى سوريا. وكلما طلب الجولاني تعزيزات من العراق، كان القادة يوافقون عليها، كما حرصوا على منح الشرعية للجولاني، مُعلنين “انه مبعوث من جهة الدولة إلى الشام عند كل من نعرفهم ونتصل بهم” وفقًا لما نقله البغدادي.
لكن سرعان ما اتضح أن فترة “شهر العسل” كانت مجرد واجهة أو مظهر ذائف، إذ بدأت الخلافات تظهر بين الطرفين فور وصول الجولاني إلى سوريا. فقد كُلّف الجولاني من قبل البغدادي، من بين مهام أخرى، بتنفيذ عمليات اغتيال تستهدف شخصيات عسكرية منافسة من التمرد العراقي المقيمين في سوريا. وبسبب سياسة الهيمنة التي يتبعها داعش، كان التنظيم لا يتسامح إطلاقًا مع أي منافس، حيث يُعتبر أي تهديد للقضية هدفًا مشروعًا.
رفض الجولاني هذه السياسة، لكنه حرص على تجنب المواجهة المباشرة مع رئيسه، فاتبع نهجًا دبلوماسيًا؛ فكلما أثار البغدادي الموضوع، كان يتظاهر بعدم القدرة على تحديد أهداف معينة.
لم تكن هذه الخلافات جديدة، بل كانت متجذرة في سنوات الجولاني وقادة داعش التي قضوها في سجون العراق خلال الألفينات. في تلك الفترة، حسب العدناني، اختلف الجولاني مع قادته الكبار في قضايا مثل “تكفير أنصار الطواغيت وأعضاء البرلمان”، مما دفع بعضهم إلى انتقاد منهجيته.
كما روى الجولاني كيف وجد نفسه في صراع مع “ثقافة الغلو والأيديولوجية المتطرفة التي نشأت في سجون العراق”. وكان الأمير السوري يعارض خصوصًا محاولات قادته “تحويل السجن إلى إمارة إسلامية، وفرض نمط سلوك معين بالقوة ومعاقبة المخالفين”.
الضغائن التي خلّفتها تلك التجربة عادت لتطفو على السطح عندما استشار البغدادي مساعديه بشأن الجولاني. وبحسب العدناني: “اعترض بعض الإخوة، من بينهم ثلاثة من أعضاء مجلس الشورى الذين عرفوا مواقفه في السجن”.
ولم يُحسم الجدل إلا بتدخل القرشي، الذي دافع عنه قائلاً إن الجولاني “قد تراجع عن تلك المسائل”. بدوره، أقرّ الجولاني بأن “كثيرًا من القادة لم يرحبوا بفكرة ذهابي إلى سوريا”، مشيرًا إلى أن هذا ما يفسر قلة من رافقوه في البداية.
إذا كان الجولاني قد نجح في البداية في إخفاء ازدرائه لتوجيهات رؤسائه، فإن خطابه العلني الأول في 24 يناير 2012، الذي أعلن فيه تأسيس جبهة النصرة، كشف خلافه معهم بوضوح. فقد لاقى البيان ترحيبًا واسعًا في الأوساط الجهادية حول العالم، لكنه شكّل خرقًا مباشرًا لأوامر البغدادي.
قال البغدادي: “ومما يُذكر هنا أننا منعنا الأخ من إعلان اسم الجبهة إلا بالرجوع إلينا”. لكن الجولاني تجاوز هذه التوصية، واتخذ قرارًا منفردًا بكشف وجود التنظيم للعالم. وأضاف البغدادي: “تفاجا الجميع هنا بالإعلان”.
في الأشهر التالية، بدأت تطفو على السطح مشكلات أعمق. فعلى عكس الجولاني، كان تنظيم الدولة في العراق على تواصل مباشر مع كوادر أخرى كان قد أرسلها إلى سوريا، وكان هؤلاء يرفعون تقارير دورية عن الأوضاع داخل جبهة النصرة.
قال البغدادي: “ومنذ أن بدأ العمل في التصاعد وتصلني الكثير من الأخبار والتقارير حول طريقة إدارة فاتح للأمور، وكنت أتجاوز عن الكثير من زلاته واجتهاداته التي تخالف الخطوط العامة التي اتفقنا عليها“، موضحًا أن تلك التقارير كانت تتضمن مؤاخذات “شكاوى” حول “أسلوب إدارته” و”أخطاء وقرارات اتخذها خالفت التوجيهات العامة المتفق عليها” التي أُقرت في صيف 2011.
وبحسب العناصر التابعة للدولة الإسلامية في سوريا، فإن الجولاني كان “يخفف” منهجية التنظيم “تحت ستار السياسة والبراغماتية”، من خلال تعامله مع ما اعتبروه “فصائل مرتدة”، إضافة إلى “مجموعات قبلية قوية ومتعصبين قوميين”.
وبعد أسبوع واحد فقط قام أبو أنس العراقي، الشرعي الأول في تنظيم داعش في العراق بكتابة رسالة سرية إلى البغدادي محذرا أياه: ” أدركوا الشام فإن أمركم مع الجولاني كأمر صلاح الدين مع محمود زنكي” في إشارة إلى أنه كما أصبح صلاح الدين مستقلًا عن سيده الزنكي مع الحفاظ على الولاء الاسمي له، كان الجولاني، على الرغم من خضوعه الرسمي لقيادة البغدادي، يرسم مساره الخاص في سوريا.
أكثر ما كان يثير قلق البغدادي والعدناني هو أن دائرة الجولاني الداخلية المسيطرة، المكونة من شخصيات جهادية سورية، تضمنت أشخاصاً لديهم ” مشاكل سابقة مع تنظيم القاعدة” و”مشاكل منهجية مع داعش”. من بين هؤلاء، كان صالح الحموي، السوري المخضرم والذي شارك في “الجهاد العراقي” والسجين السابق في صيدنايا، والذي كان منذ البداية يدفع لقطع العلاقة مع تنظيم داعش في العراق.
وبخلاف الحموي كان هناك أيضا أبو ماريا القحطاني، الذي قاد منطقة جبهة النصرة الشرقية (دير الزور، الرقة، الحسكة). وعلى الرغم من سنوات خدمته تحت داعش في العراق وسابقتها، أصبح محبطا منها، وحاول حتى مغادرة العراق إلى اليمن في مايو 2011. وقال ذات مرة: “المدرسة العراقية (للجهاد) أفسدت أكثر مما أصلحت”.
ورغم كل ذلك، تمكّن الجولاني بطريقة ما من الحفاظ على دعم البغدادي. كان، كلما وُبّخ من رؤسائه، يردّ بأنه أدرى بتعقيدات الواقع في سوريا، وأن ضيق الوقت يفرض عليه أحيانًا اتخاذ قرارات منفردة.
وقد نجح هذا الأسلوب، خصوصًا أن البغدادي بدا متساهلًا معه بحسب قوله: ” كنت أقدم إحسان الظن دائماً ولم أسع مطلقاً للضغط على الأخ، وكنت أتجاوز عن الكثير من زلاته”.
ورغم عديد الاعتراضات من قادة داعش على بعض التعيينات التي أجراها الجولاني فإن البغدادي كان يوافق في الغالب على خياراته.
لكن الأمير العراقي لم يكن مطمئنًا تمامًا، فقرر وضع “خطة إصلاح” تقوم على إرسال مجموعة مختارة من الكوادر القديمة في داعش إلى سوريا، بهدف إحكام الرقابة على مسار جبهة النصرة.
هذه الخطوة كانت كفيلة بتغيير العلاقة بين الجولاني وتنظيم داعش بشكل جذري. قال الجولاني إنه في صيف 2012 “بدأ بعض قادة داعش يأتون إلى هنا”. وكان الأمير السوري ساخطًا على هؤلاء الوافدين. من وجهة نظره، لم تبدأ قيادة داعش في الاهتمام الجدي بسوريا إلا بعدما أصبحت النصرة قوة لا يُستهان بها. والآن بدا له أن رؤسائه يريدون جني ثمار ما زرعه بنفسه.
لم يكن الجولاني مستعدًا للسماح بذلك، خاصة أنه لم يكن يحمل تقديرًا كبيرًا لـ”السياسات والحكمة” التي يروج لها قادته – أو “ضباط الشرطة السابقون” كما وصفهم ذات مرة – والتي رأى فيها توجهات “ضعيفة ومنفصلة عن واقع الأمة”.
وما زاد قلقه، بحسب روايته، أن وكلاء البغدادي، فور وصولهم إلى سوريا، بدأوا يسعون إلى فرض أجندة داعش، بالتصعيد ضد فصائل الثورة السورية الأخرى، ومحاولة “توسيع الحرب الطائفية”.
وبحسب النصرة، فقد تسبب ذلك بـ”تسعة أشهر من المعاناة” للجبهة على يد داعش. وهنا بدأ العد التنازلي لـ “الفتنة الكبرى” في أبريل 2013.
خيبة العدناني
بحلول بدايات خريف 2012، قررت قيادة “داعش في العراق” أن تتخذ خطوة إضافية، بعد أن استمرت التقارير القادمة من كوادرها في سوريا بالتحذير من أداء الجولاني. قال البغدادي: ” بعدما كثرت المؤاخذات على العمل في الشام أرسلت الأخ العدناني إلى هناك”.
هذه الخطوة لم تكن وليدة اللحظة، بل كانت قيد التفكير منذ فترة طويلة. ففي ربيع 2011، ناقش البغدادي ونوابه بجدية احتمال تكليف العدناني بقيادة جبهة النصرة. وبالمقارنة مع الجولاني، رأوا أنه “ أكثر خبرة وأقدم في العمل وأكبر في العمر، وكان من أصحاب الشيخ الزرقاوي“، كما وصفه البغدادي.
كان العدناني من أوائل من التحقوا بالزرقاوي، وعمل لاحقًا تحت قيادات بارزة في النسخة الأولى من تنظيم داعش، ضمن صفوف الكوادر النشطة في الأنبار. أُصيب خلال معركة الفلوجة الثانية، وأُسر على إثرها، ليقضي قرابة ست سنوات في السجن. وبعد خروجه في 2010، أصبح قريبًا من البغدادي، الذي اختاره لاحقًا ناطقًا رسميًا باسم التنظيم.
ورغم كل هذه المؤهلات، انتهى الأمر باختيار الجولاني لقيادة النصرة. والسبب، كما يروي البغدادي: “قد مالت كلة الترجيح للأخ فاتح “الجولاني” بسبب حدة طبع شخصها الإخوة في العدناني خشينا من أن تحول دون استيعابه للناس هناك”.
العدناني لم يخف رغبته في العودة للشام، وبحسب قوله : “قد كانت لي الرغبة الشديدة في العمل في الشام“. لكن البغدادي كان يرى ضرورة الإبقاء عليه قريبًا. وأوضح البغدادي أن: ” لكن كان الأمر ملحاً وحتى أتأكد أكثر من حقيقة ما يصلني من هناك”. فوق ذلك، كان الجولاني نفسه يطالب منذ عام تقريبًا بإرسال العدناني، رغبةً في الاستفادة من “معرفته الواسعة بالعديد من المناطق في سوريا”.
العلاقة بين الرجلين تعود إلى سنوات مضت، حيث التقى العدناني بالجولاني في سجن بوكا، مشيرًا إلى أنه هو من قدّم الجولاني إلى “خيمة الزرقاويين”، حيث قضيا معًا أشهرًا، نشأت خلالها علاقة ودّية عميقة.
تلك التجربة دفعت العدناني لاحقًا للدفاع عن الجولاني عندما طُلب منه تقييمه وشهد لصالحه عند البغدادي بحسب قوله: “وقد سألني الشيخ عنه فلم أذكر له شيئاً يقدح فيه لأني لم اشهد منه بنفسي موقفا سينا وإنما قلت للشيخ لم أر منه إلا خيراً”. لكن يبقى إرسال العدناني، رغم نواياه الطيبة، كان القرار الأكثر إثارة للجدل بين كل ما سبق.
بالإضافة إلى التحقيق مع الجولاني، كُلِّف العدناني بعدة مهام من قبل البغدادي، كان أبرزها تطوير بنية التدريب داخل النصرة وتشكيل “وحدة قوات خاصة”. في البداية، فكر البغدادي بتعيينه نائبًا للجولاني، لكن بناءً على اقتراح الجولاني نفسه، تم تعيينه مسؤولًا عن “المنطقة الشمالية” التي تشمل إدلب وحلب وحمص وحماة.
في أكتوبر 2012، وصل العدناني إلى معقل النصرة في الشمال، حيث استقبله الجولاني بحفاوة. وعلى مدار يومين، قدّمه الجولاني إلى أمراء النصرة في إدلب وحماة وحمص وحلب. بعدها، قضى العدناني خمسة أيام في مسقط رأسه إدلب، حيث قال إنه “أجرى تغييرات كبيرة، وأصدر تعليمات كثيرة”.
لكن الأمور سرعان ما تغيّرت، فحين وصل إلى حلب، أخبره الجولاني بأنه لم يعد قائد المنطقة الشمالية. بدلاً من ذلك، سيكون مكلفًا بـ”إدارة شؤون” نحو ثلاثين مقاتلًا أجنبيًا كانوا يتجمعون في دار ضيافة على الحدود مع تركيا، وتأسيس معسكر تدريب خاص بهم.
استغرب العدناني هذا التغيير، فسأل الجولاني عن السبب. فجاءه الرد: ” المنطقة الشمالية مسؤولية كبيره ومشاغلها كثيرة ولن تستطيع متابعة المهاجرين“. العدناني قبل مهمته الجديدة مرغماً رغم عدم اقتناعه بسبب عزله.
العدناني واصل العمل كالمعتاد لأكثر من شهر، لكن سرعان ما زاره الجولاني حاملاً أنباء سيئة: ” لقد اجتمع مجلس الشورى وقرر أن تجلس عن العمل وتعود الى العراق”. وخلال أقل من شهرين، انتقل العدناني من كونه أحد أبرز قادة النصرة إلى شخص شبه منبوذ.
الجولاني تحدث مباشرة إلى العدناني وأبلغه: “لقد اجتمع مجلس الشورى وقرر أن تجلس عن العمل وتعود الى العراق لأنك تحمل رؤيا غير رؤيتنا وتخالف الجماعة وستسبب لنا فتنة”. لم يعد خفياً الانقسام المتزايد بين الأمير السوري والقيادة العراقية. فقد كان الجولاني يرى النصرة ككيان مستقل مكتمل، لا كمجرد “ولاية تابعة لإمارة العراق”، كما وصفها الأنباري.
ولذلك، عندما علم أن العدناني يبايع “باسم داعش” بدلًا من “جبهة النصرة”، قرر عزله من قيادة المنطقة الشمالية.
أما البغدادي، فقد لخّص جوهر الخلاف بين الطرفين بقوله إن المشكلة كانت “بسبب تعارض رؤيتهما حول مرجعية الجبهة للدولة الإسلامية”. من جانبه، رأى الجولاني في العدناني عنصرًا مزعجًا يحاول فرض أسوأ ممارسات تنظيم العراق على الساحة السورية، بما في ذلك خطة، وُضعت بأمر من البغدادي، لاستهداف قادة المعارضة السورية في إسطنبول.
من جانبه، رأى العدناني نفسه خادمًا مخلصًا لقيادة داعش في العراق، حتى وهو تحت قيادة الجولاني. قال: ” أظن إني جاعل هواي تبعًا لما تريده الجماعة”. لكن إقامته في سوريا أدت إلى نفور شديد من الجولاني ومحيطه، بسبب ما اعتبره عصيانًا لقيادة داعش. وبحسب روايته: ” لم يكن ينفذ من أوامر الشيخ (البغدادي) وطلباته إلا ما وافق قناعاته ويتعذر بأعذار واهية، وعندما يكون مسترسلا في الحديث يذكر جبهة ودولة، وكأنهما جماعتان، ويتمعر وجهه عند الحديث عن تبعية الجبهة للدولة”، وأضاف العدناني أن الجولاني لم يكلّف نفسه، طوال عدة أشهر، بإرسال أي تقارير عن أنشطة النصرة إلى قيادته في العراق.
رغم تجريده من الصلاحيات، رفض العدناني مغادرة سوريا دون أمر مباشر من البغدادي، فقال له الجولاني: “إذن تجلس في بيتك ولا تلتقي بالجماعة حتى يأتي أمر الشيخ بشأنك (البغدادي)”. وخلال فترة شبه الإقامة الجبرية هذه، قال العدناني إن: ” الجولاني لم يترك أحدا من الصف الأول ولا من الصف الثاني إلا ويشوه سمعتي عندهم”، ناشرًا شائعات تزعم أنه “عميل للأمريكان”. وبينما أصر العدناني على أنه ” يشهد الله إني لم أحدث أحدا بما جرى بيني وبينه“، أكدت النصرة أن العدناني، بعد فشله في استعادة موقعه، أرسل تقريرًا شديد اللهجة إلى العراق، اتهم فيه الجولاني بمحاولة الانفصال عن قيادته العراقية.
البغدادي قام باستدعاء الجولاني فور علمه بقرار الأخير بتسريح العدناني، حيث أوضح العدناني أن “بعض المقربين نصحوا الجولاني بعدم الذهاب”. ومع ذلك، وبحلول نوفمبر 2012، عاد الأمير السوري إلى العراق، رغم خوفه من عدم السماح له بالعودة مرة أخرى إلى سوريا.
قال البغدادي: ” فاستدعيت فاتحاً (الجولاني) وجلست معه بوجود بعض أعضاء مجلس الشورى”. وخلال جلسة استمرت ثلاثة أيام في بغداد، عبّر أعضاء المجلس عن استيائهم، حيث قال البغدادي إنهم ” ومؤاخذات الإخوة عن أ أخطاء العمل وعدم الالتزام بما اتفقنا عليه بكل صراحة”. لكن رغم ذلك، تقرر الإبقاء على الجولاني في موقعه. كتب البغدادي لاحقًا: ” فقلنا لعل ما حصل مع العدناني خصومة أقران وحتى لا نظلم الأخ”، مضيفًا أن الجولاني ” وأظهر الأخ فاتح تفهمه وأنه يتعهد بأن يلتزم بما اتفقنا عليه في المجلس أمام الجميع”.
وفي محاولة لاحتواء الجولاني وضبط سلوكه، عيّن البغدادي العدناني نائبًا لقائد النصرة في الشام.
وعند عودته من العراق، زار الجولاني العدناني في منزله. قال له: ” لقد أخطانا بحقك، وإن الشيخ قد عينك نائبا لي على الشام“. لكن رد العدناني كان باردًا. لم يكن يرى نفسه مؤهلًا لهذا المنصب، وأخبر الجولاني أنه خسر “الاحترام” داخل الجماعة. وبعد جدال، قبل المهمة، متفقًا مع الجولاني على أن ” المهم كانت النتيجة أن اتفقنا على أن ما جرى بيننا صفحة ومزقت وأنها لن تفتح من جديد”.
لكن العدناني أكد لاحقًا أن المصالحة كانت شكلية فقط، وأن الخلاف الحقيقي لم يُحلّ. قال: ” لم يعطني أياً من الصلاحيات وظل منصب النائب مجرد اسم“، مضيفًا أن حاشية الجولاني ” يعملون لإفشال أي عمل أقوم به“، بينما كان يقول لأتباعه أن “العدناني لا يصلح نائباً ولكنه فرض علينا”.
الجولاني.. نفس النهج
في أواخر عام 2012، بدأت قيادة داعش في العراق تلاحظ نمطًا مقلقًا. قال البغدادي في رسالة: ” وخروجاً من الإشكالات التي رافقت كل من أرسلناهم لمتابعة العمل هناك قرر المجلس إيفاد الشيخ أبي صهيب“، في إشارة إلى اللقب الحركي لأبي علي الأنباري.
من تلعفر، عاد الأنباري ليتولى منصب الرجل الثاني في تنظيم داعش العراق بعد إطلاق سراحه في مارس من نفس العام 2012، عقب ست سنوات قضاها في السجن، على الأرجح في بوكا وكروبر. وقبل أسره، كان هذا الواعظ الذي تحول إلى منظّر جهادي يشغل بالفعل موقع الرجل الثاني في قيادة تنظيم القاعدة في العراق (AQI)، والذي انضم إليه بعد فترة من نشاطه في جماعة أنصار السنة.
ومع تزايد مخاوف القيادة العراقية من تصرفات الجولاني، كلّف البغدادي الأنباري بمهمة خاصة. قال البغدادي: ” وقد أبلغناه أن الشيخ أبا صهيب هو نائب للبغدادي وذهابه للشام كمشرف عام على العمل هناك فلا يخرج الأخ فاتح عن رأيه في الصغيرة والكبيرة.”.
غادر الأنباري العراق في نوفمبر 2012، وبدأ جولة ميدانية استمرت عدة أسابيع زار خلالها مواقع جبهة النصرة في سوريا. وفي ختام الجولة، قرر أن يقيّم الجولاني عن قرب.
يقول الأنباري: “عشت معه في بيت واحد لأكثر من شهر”، مشيرًا إلى العلاقة التي ربطت بينهما منذ سنوات. فقد تعرف الاثنان إلى بعضهما خلال فترة السجن، وهو ما يُفسّر اختيار البغدادي له لهذه المهمة.
قال الأنباري: ” إن العلاقة بيني وبين أبي محمد الجولاني كانت قائمة على أساس متين، وقد صرح أكثر من مرة أنه ينظر إلي على أني بمقام والده، وكنت أعده كأحد أبنائي في المودة وفي التعامل“.
الأنباري لم يحقق أي نتيجة مختلفة عن ما حدث مع العدناني، فبعد أسابيع من المعايشة والمتابعة، خلص الأنباري إلى الاستنتاج نفسه: الجولاني ينحرف عن خط تنظيم الدولة في العراق.
ويضيف: ” في كل جلساتنا الاعتيادية ما سمعته يوما ذكر الدولة الإسلامية بخير أمام جلسائه“. ويؤكد أن الجولاني كان يهاجم التنظيم الأم، متهمًا إياه ” أن الدولة لم تقف معنا – هكذا ولم تمدنا بالكوادر ولا بالسلاح وإن القادمين من العراق لا يجيدون إلا تفخيخ السيارات وإنزالها إلى الشارع“.
وبحسب الأنباري، روّج الجولاني داخل التنظيم لفكرة “التخوييف من المجاهدين العراقيين”، وهو ما اعتبره اتهامًا خطيرًا وغير مبرر. ويشير إلى أن معظم الكوادر العليا في النصرة كانوا عراقيين أو من خريجي ساحات الجهاد العراقية، معددًا أكثر من عشرين اسمًا ممن أُرسلوا بأمر من البغدادي، ويتولون الآن مناصب بارزة، من أمراء إدلب والمنطقة الشرقية وطرطوس وحمص الشرقية، إلى الإداري العام للجبهة من العراق.
ويختم الأنباري: “فعندما تضع هذه الخارطة أمامك ثم تسمع النيل من الجهاد في العراق والتخويف من التجربة العراقية لا تجد له من مبرراً إلا ما يكون من دواخل النفوس.”
علاوة على ذلك، الجولاني كان يبذل قصارى جهده لتقييد نفوذ المحاربين العراقيين المتزايدين، مثل حاجي بكر. وأضاف أن حاجي بكر، أحد أكثر قادة داعش العراق نفوذًا، كان نائبًا لرأس النصرة في حلب واكتسب سمعة لقسوته واستبداده، وأكد الأنباري أن الجولاني عزل حاجي بكر بسبب “شائعات” غير مؤسسة بحسب شهادته: “بسبب هذه الطريقة غير الشرعية أقصى نائب أمير حلب وهو الشيخ أبو بكر عن عمله، بل أصبح الرجل منبوذا بسبب ما يشيع عنه مما سمعه من طرف واحد”.
وأوضح الأنباري أن الجولاني أيضًا أقصى أبو معتز القرشي، الذي انتقل من العراق، وأن الجولاني لم يغفر له قوله: ” إنك لم تمارس الإمارة عندما كنت في العراق فقد يخفى عليك الكثير من أمورها“. وأفاد الأنباري أن الجولاني لم ينسى ما يعتبره إساءة له من القرشي واستمر في السخرية منه باستمرار رغم اعتذاراته.
كما عارض الجولاني أيضا التعيينات الجديدة التي قام بها رؤساؤه، الذين أرادوا إزالة الشخصيات الغير موالية تماما لهم في النصرة لصالح المؤيدين المتحمسين. على سبيل المثال، عزل البغدادي أبو ماريا وفوض أبو أسامة العراقي، الذي قاد بعدها عمليات داعش العراق في منطقة بغداد، ليتولى المنطقة الشرقية. عارض الجولاني القرار، مؤخرًا تسليم القيادة إلى أبو أسامة. ثم ضغط الأنباري على قائد النصرة لاتباع الأوامر، وهو ما فعله على مضض بعد بعض الوقت.
قال الأنباري إن الجولاني سعى لإبقاء أنصار البغدادي بعيدًا عن المناطق الأساسية للنصرة، مثل أبو أيمن العراقي الذي قضى وقتًا في بوكا. وأضاف أن أبو أيمن، النشط سابقًا في الموصل، أعاد الاستقرار في سوريا مبكرًا، لكن قيادة النصرة رأت فيه “تهديدًا” بسبب تطرفه وولائه للبغدادي، فأُرسل بعيدًا من قاعدته في حلب لقيادة العمليات في اللاذقية حيث كان للنصرة حضور ضعيف.
وأشار الأنباري إلى تصاعد التوترات بين المعسكرين حول القضايا الأيديولوجية والاستراتيجية، ورأى أن الجولاني ” ليس لديه رؤية واضحة في التعامل مع الفصائل الموجودة في ساحة الشام فهو يقبل البيعة ممن يذهب إلى اسطنبول ويشارك في الاجتماعات التي تعقد هناك“، في إشارة إلى المعارضة السورية.
وأوضح الأنباري أنه عارض فكرة الجولاني بتشكيل ” حكومة إسلامية بالاشتراك مع بعض الفصائل في حلب”، معتبرًا أن هذه الحكومة كانت، في مفاهيم العلمانيين، تشبه “حكومة توافقية”.
قال الأنباري إن المشروع لم يتحقق، لكن الجولاني تمكن من إنشاء شكل من أشكال الحكم بين المجموعات في حلب. وأضاف أنه في نوفمبر 2012، أنشأت النصرة وفصائل إسلامية أخرى لجنة الشريعة، وهي هيئة تهدف إلى مراقبة المدينة. وأوضح أن داعش العراق لم يوافق على هذه الخطوة، وانتقدت “استعداد الجولاني لتقديم تنازلات … لتهدئة الفصائل المنحرفة”.
قال الأنباري إنّه بشكل عام أصبح يرى الجولاني كقائد ضعيف غير مؤهل للمهمة. وأضاف أن الجولاني تجاهل الشؤون العسكرية إلى درجة قارنه بـ”عامل إعلامي” يعيش في سوريا. وقال: ” لا يحرض إخوانه، وإنما حاله لا يختلف كثيرا عن حال الإعلامي الذي يساكنه في معرفة الغزوات ونتائجها، بل الإعلامي يعرف ذلك قبله“.
وشهد الأنباري أن الجولاني كان مركزاً أكثر على “اهتماماته الجانبية” وشخصيته العامة. وأكد أن منظمته كانت منشغلة بالقتال في المعارك، بينما كان “الاهتمام الرئيسي للجولاني هو البحث عن الخيول”، لأنه كان “عاشقًا لركوب الخيول”. وأكمل أن الأمير السوري كان “مفتون بالإعلام وبما يقال فيه، فإن ذكر اسمه أو اسم الجبهة في وسائل الإعلام يفرحه أشد الفرح ويتابع ذلك بشغف”.
قال الأنباري إن شغف الجولاني الإعلامي ظهر عندما نظم مقابلة فيديو مع الجزيرة، وأضاف أن البغدادي ألغى المقابلة عندما علم بها. وأوضح أن العمليات السرية للنصرة في حماة توقفت بسبب الحاجة إلى خمس مسدسات صامتة، بينما كان الجولاني يرسل عشرات الآلاف من الدولارات إلى دوائر عسكرية في لبنان والأردن ومصر. وعلق الأنباري قائلاً: “كل الذي يهمه من الأمر أن يُقال أنه على اتصال بتلك الدول وأنه يمدهم بالمال“.
البغدادي داخل اللعبة
قال الأنباري إنه بعد شهرين تقريبًا في سوريا، أرسل تقييمًا حادًا للجولاني، مضيفًا: “شخص ماكر، ذو وجهين، يحب نفسه ولا يبالي بعقيدة جنوده، وهو على استعداد أن يضحي بدمائهم ليحقق له ذكرا في اإلعالم، ويطير فرحا كاأطفال إذا ذكر اسمه على االفضائيات”. ووجّه في رسالته تحذيرًا للبغدادي قائلاً: “أنقذ الوضع في الشام قبل أن تفلت الأمور من زمامها”. وأكد أنه كان منزعجًا إلى درجة دفعته لمغادرة سوريا.
وعلق البغدادي قائلا: “تفاجأت مما وصلني عن الشيخ أبي صهيب (الأنباري) وما حصل له هناك (أي في سوريا)”. وأكد أن ثقته الكاملة في الأنباري جعلت تقريره يحسم الشك في صحة كل ما ورد سابقًا من تقارير إلى العراق خلال الأشهر الماضية. أضاف: ” حيث وصلت الأمور حداً خطيراً وفاتح لم يعد يتقيد بما تعهد به في مجلس الشورى“. وأوضح أنه قرر رؤية الأمور بنفسه.
بحلول يناير 2013، كان البغدادي قد أعاد الاستقرار في شمال سوريا، البلد الذي أمضى فيه عدة سنوات في الألفينات في أعمال لوجستية. يقول البغدادي عن هذه المرحلة: ” كان معي بعض كبار الإخوة“، مشيرًا إلى أن من بينهم الأنباري، الذي أقنعه بالتخلي عن خطته للعودة إلى العراق ومساعدته في “إنقاذ الوضع”.
وأشار إلى أنه كان يخطط للقاء المسؤولين التنفيذيين في النصرة، لكن الجولاني قيد حركته بذريعة “الاهتمامات الأمنية”. مما أشعر البغدادي “كأنه سجين” بحسب قوله. وبحسب روايته، فقد هرب من رقابة الجولاني، وجال في “مناطق كثيرة”، بما في ذلك “المناطق القتالية المتقدمة”، لأكثر من شهر للقاء مرؤوسيه.
قال البغدادي: ” من أهم ما لاحظته بعد هذه الجولة أن الأخ فاتح لم يصدق معي فيما ينقله لي ولم يف بالعهد الذي أخذناه عليه…. بل إنه يسعى بكل السبل للتخلص من أي متابعة بحجج كثيرة“، وأنه كان يرى أن النصرة “لا يجب أن يكون لها أي ارتباط بالدولة الإسلامية حتى لا تتحمل عواقب أخطائها”.
وأضاف البغدادي: ” الأخ فاتح (الجولاني) يعلن لكل من يقابله أن جبهة النصرة لا ينبغي أن تكون لها علاقة بالدولة الإسلامية حتى لا تتحمل تبعات أخطائها، ويثقف كل من حوله على أن الدولة الإسلامية لم تدعم جبهة الشام وقصرت في ذلك وليس لها الحق في إدارة العمل أو المتابعة بعد أن صارت جبهة النصرة جماعة قوية يُشار لها بالبنان، فهو ينظر لمرجعيته لأمرائه من باب الدعم المادي بالمال والسلاح والرجال وليس من باب العهد والدين.
انتقد البغدادي البنية التنظيمية لجبهة النصرة قائلاً: ” معظم العمل في الشام يجري على أكتاف بعض المخلصين هناك، مع انعدام شبه تام لهيكل حقيقي لجماعة جهادية متماسكة، والكثير من هيكل الجماعة الذي سبق الاتفاق على تأسيسه لا وجود أو تأثير فعلي له على الأرض ومن وجود شورى حقيقية في العمل، بل لم يجتمع مجلس الشورى الذي أخبرنا بأسمائهم يوماً بكامل أعضائه، وهناك من الإخوة من لا يعرف أنه عضو في مجلس شورى، إذ القرار محصور بيد الأخ فاتح (الجولاني) وبعض المقربين الذين لهم نفس التوجه في ترسيخ القطيعة بين الجبهة والدولة الإسلامية، وهذا أحدث فجوة هائلة بين الإخوة تهدد كيان الجبهة بسبب تعدد الولاءات“.
علق البغدادي على هوس الجولاني بالإعلام قائلاً: “تعلقه الكبير بالإعلام وبما يُقال عن قيادة جبهة النصرة والفاتح الجولاني حتى صار هاجساً يصرف فيه وقتاً كثيراً لمتابعة وسائل الإعلام وما يقال فيه وعنه، وكل ذلك على حساب العمل الحقيقي على الأرض الذي تراكمت فيه المشاكل بصورة كبيرة”.
وأوضح أن الجولاني نظم مقابلة إعلامية جديدة في أوائل 2013 رغم معارضة القيادة، وأضاف أنه حاول ثنيه بالقول: ” لا ينبغي أن يصر على أمر كهذا ونحن في بداية الطريق”، لكن ذلك أثار “استياء” الجولاني، الذي اعتبر أن البغدادي “لم يفهم في السياسة وأن الانفصال بينهم وبين أهل العراق كان يتدلى بخيط”.
أشار البغدادي إلى ضعف أمن النصرة بقوله: ” لا يوجد هناك سرّ عسكري تقريباً ومعظم مضافات الإخوة مكشوفة وتحركاتهم يرصدها الجميع“. وألقى باللوم على “الاستخدام غير المسؤول للإنترنت”، مضيفًا أن ” إعلامي تابع للدولة الإسلامية ” أبلغه بأن “شبكة قيادة جبهة النصرة مخترقة”. وذكر حادثة جهادي أردني اعتُقل عند عودته من سوريا وأُبلغ في السجن أن تواصله مع الجولاني كان مراقبًا. قال البغدادي: “هذا الإهمال أزعجني بشكل خاص، لأن داعش العراق كان حاسماً بشأن إجراءات الأمن”.
الظواهري والقاعدة
في أوائل عام 2013، شعر البغدادي ومساعدوه بشكل متزايد بخطر انفصال الجولاني، خاصة مع ما بدا من سعيه للبحث عن رعاة جدد: “القيادة المركزية للقاعدة”. فمنذ تأسيس “داعش العراق”، اتسمت العلاقة بين الطرفين بالتوتر، إذ كانت القيادة المركزية تحاول باستمرار كبح جماح التنظيم العراقي، الذي ظل رغم ذلك فرعًا تابعًا للقاعدة – وإن كان غير منضبط – تحت إشراف أيمن الظواهري.
منذ اندلاع الانتفاضة السورية، أولت قيادة القاعدة اهتمامًا بالغًا بالأحداث هناك، وناقشت كيفية استغلالها، وقررت الاعتماد على “داعش العراق” نظرًا لخبرتها الطويلة في سوريا. نسّقت القيادة مع مجموعة البغدادي في وقت مبكر، ووافقت على توسعها إلى سوريا، وأوصتها، وفقًا للظواهري، ” بعدم إعلان أي وجود علني للقاعدة في الشام”. ومع ذلك، كانت القيادة المركزية تعتمد في فهمها لما يجري في سوريا على المعلومات الواردة من العراق.
وبعد خطاب الجولاني في يناير 2012، والذي أعلن فيه تأسيس النصرة، تواصلت القاعدة مع قيادة داعش العراق للاستفسار عن الدوافع وراء ذلك. كتب البغدادي: ” هذا ما أوقعنا في حرج مع الشيخ الليبي“، وأضاف أن الجماعة فوجئت بخطوة الجولاني مثل غيرها، ولم يكن لديها “جواب محدد” تقدّمها. رغم ذلك، زكّت داعش الجولاني أمام الظواهري ورفاقه، الذين لم يكونوا يعرفونه بعد.
ومع تصاعد العمل المسلح في سوريا، رأت قيادة القاعدة ضرورة التواصل مع النصرة مباشرة، لا سيما بعدما أبدت قلقها من تجاوزات المسلحين هناك. كتب القيادي البارز أبو يحيى الليبي في مذكراته بعد مشاهدته مقاطع إعدام مصورة: “الظاهر أن الإخوة يكررون نفس أخطاء العراق“. وبغرض تجنب تكرار التجربة العراقية، بدأت القاعدة توجيه النصائح للنصرة في النصف الأول من عام 2012.
توصيات أبو يحيى الليبي للجولاني تمحورت على تركيز الجهود على تدريب أكبر عدد من الشباب، والامتناع عن العمليات الانتحارية، والتعاون مع باقي الفصائل السورية، حتى غير الجهادية، وتجنب أي عمل خارجي انطلاقًا من سوريا لتفادي تدخل عسكري غربي.
تلك الإرشادات انسجمت إجمالًا مع رؤية الجولاني ومحيطه، الذين رغم أنهم من “المدرسة العراقية”، كانوا أقرب في منهجهم إلى القيادة المركزية، واعتبروا أنفسهم “فرع القاعدة في الشام، عبر حلقة دولة العراق، ومنها إلى القيادة المركزية”. بل إن فكرة الانضمام المباشر إلى القاعدة طُرحت مبكرًا داخل النصرة؛ ففي أول لقاء بين الجولاني وصالح الحموي في 23 أغسطس 2011، قال الأخير إنه طلب أن “نكون في الشام تابعين مباشرة لخراسان، وليس لدولة العراق”، واستمر عامًا يكرر الطلب في كل اجتماع.
لكن الجولاني رفض آنذاك، معتبراً أن “الالتحاق بخراسان بِعُرف الإخوة في الدولة يعتبر جريمة “، ورغم ذلك، تواصل بحذر مع القيادة المركزية. وطلب منه الليبي إعداد تقرير مفصل عن مشروعه في سوريا، فاستجاب لكن بعد استشارة قيادته في العراق. وبعد تأخر الرد، أعاد الليبي الطلب، لكنه قُتل في 4 يونيو 2012 قبل أن يتلقى التقرير، دون أن تتوقف القيادة عن المطالبة به. غير أن الجولاني لم يكن يرغب في المضي قدمًا دون إذن واضح من العراق.
لم تكن قيادة داعش في عجلة من أمرها للرد، فقد كانت قلقة من تطور العلاقة بين الجولاني والقاعدة، وتخشى فقدان السيطرة على فرعها السوري. لذلك، طلبت من الظواهري ألا يتواصل مع الجولاني إلا عبرها. وكتب الظواهري في رسالة إلى أبي الأنباري: “كان من الواضح أن هناك مشكلة… لكني تغاضيت لأمنحكم فرصة لحلها”. وعندما قررت قيادة داعش إرسال تقرير الجولاني، أرسلت نسخة معدّلة، وفي حالات أخرى حجبت رسائل القاعدة عن النصرة.
تفاقمت مخاوف الدولة مع وصول مبعوثين من “خراسان” إلى سوريا. قال البغدادي: ” ثم نقل لي أن صورة الدولة مشوهة في خراسان لأن هذا ما يقوله من جاء من هناك وأنه نفس تصوّر مسؤول الأقاليم عنا أيضاً، وهو ما دفعني لذكر ذلك في رسالة للشيخ أبي الفتح“. واعتبر البغدادي أن هذا التقارب بين النصرة والقاعدة، على أساس شكواهما المشتركة من داعش، عزز احتمالات اتحادهما بعيدًا عنه.
رغم رفضه في البداية، بدا أن الجولاني غيّر موقفه مع أواخر عام 2012. وفقًا لأبي محمد العدناني، كان “ يسعى بكل طاقته للحصول على اتصال مباشر مع خراسان دون الرجوع للدولة“. ويبدو أن الجولاني شعر بأن مشروعه مهدد مع ازدياد وجود قادة البغدادي في سوريا، فأراد العودة إلى مظلة القاعدة الأقرب إلى رؤيته.
وهو ما أشار إليه البغدادي حين قال: “عندما علم فاتح (الجولاني) بجديتنا في متابعة العمل بصورة مباشرة في الشام بعد الشكاوى التي وصلتنا حرص على تجاوز أمرائه والاتصال مباشرة بخراسان بحجة أن الجبهة يجب أن ترتبط بخراسان وليس بالدولة الإسلامية،”. فلو تحقق ذلك، اعتقد البغدادي، سيكون الجولاني بمنأى عن أي “مساءلة”، مستغلًا آلاف الكيلومترات بينه وبين قيادة القاعدة ليعمل بحرية مطلقة في سوريا.
النزاعات على السلطة
بحلول أوائل مارس 2013، أجرى البغدادي بعض التغييرات داخل “جبهة النصرة”، فأقال عدداً من قادتها، غير أن التوتر ظل مسيطراً. ولحل الأزمة بشكل نهائي، دعا البغدادي إلى لقاء موسع ضم نحو 12 من كبار قادة داعش في العراق وجبهة النصرة، من بينهم العنبري، العدناني وأبو ماريا. وخلال يومين أو ثلاثة من الجلسات الحادة، عرض كل طرف مظالمه وناقش خلافاته.
من بين المواضيع التي طُرحت كانت خطة داعش المثيرة للجدل باستهداف المعارضة السورية “الرسمية”. ورغم أن الخطة لم تُنفذ بعد، أعاد البغدادي طرحها، لكن الجولاني رفضها مجدداً، فما كان من العدناني إلا أن حذّر: “إن رفضتم، فسنضرب وحدنا”.
كما ناقش المجتمعون العلاقة مع تنظيم القاعدة المركزي، وسأل رجال الجولاني البغدادي عما إذا كان ربط جبهة النصرة مباشرة مع القيادة المركزية سيُعد انشقاقاً، فردّ البغدادي بشكل قاطع: “الارتباط المباشر بخراسان لا يُعد خروجاً عنّا”.
في اليوم الأخير من هذه الجلسات، 13 مارس، بدا أن هناك تقدماً ملحوظاً، وبحسب البغدادي: ” في هذه الجلسة وبعد الوصول إلى حقيقة المشاكل التي أقر بها الجولاني على مضض، أراد الحاضرون تجديد البيعة من غير طلب منا وعلق الجولاني على هذا الطلب من أعضاء المجلس بأنه الأحب إلى قلبه، وحسبنا أن المشاكل في طريقها للحل حيث وضعت هيكلية عامة وخطة عمل مفصلة لتصحيح الأمور”، مع إبقاء الجولاني في موقعه. وسأل قادة النصرة البغدادي إن كان قد بايع الظواهري رسمياً، فأجاب بالإيجاب، ما دفعهم إلى تجديد بيعتهم للبغدادي “دون طلب منا”، كما قال الأخير، مضيفاً أن الجولاني علّق بأن هذا “أحبّ شيء إلى قلبه”.
خرج الجميع من اللقاء بتفاؤل، ووفقاً للبغدادي: “افترضنا أن المشاكل في طريقها إلى الحل”، بل تم الاتفاق على عقد لقاء آخر في الأول من أبريل. غير أن الأحداث تصاعدت سريعاً. فعلى الرغم من مظاهر التفاهم، ظل كل طرف يشك في الآخر ويتصرف وفق أجندته الخاصة. وبحسب داعش، لم يصدّق معسكر البغدادي تجديد الجولاني للبيعة، واعتبروه خدعة لشراء الوقت تمهيداً للانفصال. أما النصرة، فاتهمت قيادة داعش بالتنصل من الوعود، حيث قال أحد المشاركين من النصرة: “تفاجأنا بأن شيئاً لم يتغير، بل زادت وتيرة التصرفات السيئة، وتصرّفوا بعكس ما وعد به البغدادي في الجلسة، وهددوا بعض القادة، خاصة العراقيين، بالاغتيال”.
بعد فترة قصيرة، جمع الجولاني مساعديه المقربين وكتبوا معاً “رسالة شكوى” إلى قيادة القاعدة المركزية، ضمنوها مظالمهم تجاه رعاتهم العراقيين الذين اتهموهم بمحاولة فرض سياساتهم الفاشلة. وبسبب قيام داعش سابقاً بتعديل “تقريره” إلى القاعدة المركزية، قرر الجولاني تجاوز البغدادي وإرسال الرسالة عبر “طرق آمنة أخرى”.
في تلك الفترة، كان هناك “منسق” من القاعدة وصل لتوّه من “خراسان”، وأفاد، وفقاً للبغدادي، أنه “سيزكيهم عند المشايخ في خراسان، وأن الشيوخ “يريدون أن يربطوا الجبهة بهم بمعزل عن دولة العراق الإسلامية”.
أدرك الجولاني أن الانفصال عن داعش سيُحدث ضجة، ولذلك بدأ العمل على كسب أكبر دعم ممكن داخل النصرة. فأبلغ القادة الميدانيين أن خطاً مباشراً قد تم فتحه مع قيادة القاعدة، وأن الأخيرة وافقت على فك الارتباط بداعش. وبرر ذلك بأن من الأفضل أن تكون النصرة تحت قيادة القاعدة مباشرة، لا عبر فرعها العراقي. وأرسل الجولاني مبعوثين إلى القادة الميدانيين لاختبار ردود فعلهم وكسب تأييدهم. وفي 24 مارس، أرسل مبعوثاً إلى أحد القادة لعرض فكرة الانفصال.
لكن خطته لم تبقَ سرية، إذ علم بها معسكر البغدادي سريعاً من خلال أنصاره داخل النصرة. فبعد لقاء 24 مارس مباشرة، سرّب أحد القادة الميدانيين المعلومات إلى قيادة داعش. وصُدم البغدادي من تصرفات الجولاني السريعة “فكان بين تجديد البيعة ونقضها أحد عشر يوما”.
وبعد يومين، حضر القيادي نفسه اجتماعاً آخر مع اثنين من مبعوثي الجولاني الذين قدموا “دعوة صريحة للانفصال”، وأُبلغ قيادة داعش مجدداً فوراً. وحاول البغدادي ترتيب لقاء مع الجولاني، ولكن الأخير رفض، معلناً أن “العراقيين سيُطردون من سوريا”، وألغى اجتماع الأول من أبريل، وبحسب نص خطاب القيادي: ” فهو يرفض اللقاء بنا ويمنع من معه من اللقاء ويهدد بمعاقبة كل من يلتقي بأبي بكر البغدادي“.
وحين علم معسكر البغدادي أن رسالة الجولاني قد وصلت إلى القاعدة المركزية، بادر هو والعنبري والعدناني بالرد برسائل مضادة بين 29 و31 مارس، وصفوا فيها الجولاني بطموح لا حدود له وسعي وراء المجد الشخصي. كتب البغدادي: “فقد خُدعت بالرجل… وأنا أقر الآن أن الرجل خانني وخان العهد والأمانة التي حملها واستغل تزكية الدولة الإسلامية له ولجبهة النصرة ليبني لنفسه أمجاداً“. أما العدناني، فكان الأكثر قسوة، حيث كتب أن الجولاني ” أن هذا الرجل لا يصلح للقيادة ولا حتى أميرا على مدينة أو قاطع“، وختم رسالته قائلاً: ” وإني لأنصح بعزل هذا الرجل وتعزيره تعزيراً مناسبا ثم إرجاعه جندياً“. أما البغدادي، فأنهى رسالته بنبرة غامضة: “وقد عزمنا على إدارة الأمر بأنفسنا بإذن الله وسنخبركم بتفاصيل تطور الأوضاع“.
في تلك المرحلة، كان قادة داعش يعقدون جلسات مطولة لمحاولة احتواء الأزمة. قال البغدادي: “وأجمع الإخوة في مجلس الشورى على ضرورة تصحيح هذا الوضع الشاذ وردم أية هوة قد تؤدي لشق الصف وانفصال جبهتي العراق والشام“. وفي الأول من أبريل، دعا إلى اجتماع جديد في مدينة الباب، ضم العنبري، العدناني، وحاجي بكر، الذي استضاف اللقاء في منزله. شعروا أن الجولاني على وشك الانشقاق بدعم من القاعدة المركزية، وقال العنبري: ” ولا أستبعد إن مكن من ذلك أن يُعلن عن دولة الشام الإسلامية بإمرة أمير المؤمنين الفاتح (الجولاني)“.
تزامن ذلك مع ظهور ما سُمي “صحوة سورية” في الشرق، حيث واجهت النصرة عداءً متزايداً من القوى والقبائل المحلية، مما زاد من حالة الطوارئ. إلى جانب ذلك، كانت هناك معلومات بأن “فصائل مرتبطة بالاستخبارات” تبحث في إعلان دولة إسلامية في الشام. وهنا، اقترح العنبري الرد بإعلان اندماج أحادي بين داعش وجبهة النصرة، وهي فكرة كان البغدادي يعارضها سابقاً. قال: ” ونحن على علم تام بان الوقت ليس وقت هذا الإعلان في الحالة الطبيعية، إلا أننا لم نجد بدأ من هذا الأمر وقد عدمنا كل السبل دون ذلك، فلم يترك الجولاني لنا من خيار غيره، أو أن نعلن توحيد الجبهتين تحت مسمّى واحد مع تحمل نتائج هذا الإعلان“.
الطلاق
أعدّ البغدادي، بمساعدة الأنباري والعدناني، بيانه المصيري الذي أعلن فيه عن قيام داعش ونُشر الخطاب على الإنترنت في 9 أبريل. في هذا الوقت لم يكن الجولاني ينوي التخلي عن سيطرته على جبهة النصرة، فسارع إلى جمع معاونيه ليُعلن عن نيته مبايعة الظواهري علناً، مما أثار بعض الجدل في أوساطه. قال الجولاني: «بعض الإخوة وصفوا القرار بأنه انتحاري. لكن لم يكن أمامنا خيار سوى مبايعة القاعدة حتى لا نخسر الجميع لصالح داعش»، وهو ما تم في 10 أبريل، حيث أصدر الجولاني بيعته العلنية لأيمن الظواهري بعد يوم واحد فقط من إعلان البغدادي.
في اليوم ذاته، 10 أبريل، كتب البغدادي آخر رسالة له إلى زعيم القاعدة، داعياً إياه لاتخاذ موقف واضح. قال البغدادي: ” ويرى العبد الفقير ومن معه من إخوانه هنا في الشام أنّ على مشايخنا في خراسان أن يُعلنوا موقفاً واضحاً لا لبس فيه لوأد هذه المؤامرة قبل أن تسيل الدماء ونكون سبباً في فجيعة جديدة للأمة.. ونرى أن أي تأييد لما قام به هذا الخائن ولو تلميحاً سيفضي لفتنة عظيمة”.
أرسل معسكر الجولاني كذلك رسالة إلى قيادة القاعدة، وقال الظواهري للأنباري: «وصلتنا شكوى مريرة منكم ومن الفتنة التي اشعلتموها بإعلانكم الدولة». بات القرار الآن في يد الظواهري لحسم النزاع.
قال مسؤول بارز في النصرة: «أي شخص كان في سوريا وقتها يتذكر تلك الأيام كأكثر الأيام توتراً للمجاهدين. الجميع كان ينتظر جواب الشيخ أيمن الظواهري». ووسط حالة الارتباك هذه عقدت لقاءات ومحاولات وساطة بين النصرة وداعش وشخصيات جهادية أخرى. وتم مناقشة مشروعية إعلان داعش لتأسيس “دولته”، وعلاقتها بالقاعدة، وبُذلت محاولات عدة لترميم العلاقة. والتقى الجولاني وممثلو البغدادي مباشرةً بحثاً عن حل. وتعهد الطرفان بالامتثال لقرار الظواهري.
وشنّ البغدادي والأنباري حملة تجنيد داخل النصرة وخارجها، مستخدمين اسم القاعدة وجاذبية فكرة “الدولة الإسلامية” مع عديد الوعود بالمناصب والأموال، وهو ما وضع الجولاني تحت ضغط كبير وخسارة عمليات التجنيد لصالح داعش وخسارة مصادر مهمة للتمويل.
في حلب، استغل حجي بكر نفوذه لتجنيد عناصر النصرة. قال الحموي: «خسرنا أكثر من نصف حلب، والكثير من الأسلحة والمال». في الشرق، أقنع أبو أسامة العراقي العديد من مقاتلي النصرة بالانضمام إلى داعش في الرقة ودير الزور والحسكة. وفي الساحل، أقنع أبو أيمن جنوده بأن الجولاني خان من رعوه. ونتيجة لكل ما سبق فقد الجولاني نصف قواته لصالح البغدادي، وربع آخر اختار البقاء مستقلاً عن الطرفين.
الظواهري فوجئ بفتنة الشام، رغم علمه بوجود خلاف بين الجولاني والبغدادي، إلا أنه علم بالتفاصيل من الإعلام. في 12 أبريل و6 مايو، وجّه رسائل خاصة للطرفين طالبهم فيها بالعودة إلى الوضع السابق، وحثهم على إيجاد حل بينهم. استشار كبار مساعديه في أفغانستان وباكستان، واطلع على تقارير سرية وردته من سوريا.
بعد ستة أسابيع من المشاورات، اتخذ الظواهري قراره في 23 مايو. وحاول في (حكمه) أن يبدو منصفاً، فمدح ولام الطرفين. لكن غضبه كان موجهاً إلى البغدادي بسبب إعلانه الدولة دون استشارة. كتب لاحقاً للأنباري: «أنتم لا تدركون الحرج الذي تضعوننا فيه». الظواهري قرر إلغاء إعلان داعش، وأبقى على النصرة كفرع رسمي تابع للقيادة العامة للقاعدة.
ابتهج الجولاني بقرار الظواهري بحسب رسالة تسرّبت له إلى العلن في 6 يونيو تعبر عن ارتياحه. أما معسكر البغدادي، فدخل في حالة صدمة حيث تشير المصادر إلى أن البغدادي نفسه فكّر في البداية بقبول الحكم والانسحاب إلى العراق. لكن الأنباري والعدناني وحجي بكر رفضوا تماماً الامتثال.
في أوائل يونيو، جمع البغدادي قادة الصف الأول، من بينهم الأنباري، والقرشي، والعدناني، وأبو محمد الفرقان، في مدينة الباب. بعد أسبوع من النقاشات، اتفق القادة على موقف موحد، بعد ضغوط الأنباري. كتب البغدادي لاحقاً للقاعدة: «قررنا البقاء (في سوريا كدولة) بعدما تبيّن لنا أن طاعة أميرنا تعني معصية ربنا، وستؤدي إلى تدمير المجاهدين معنا». وفي 15 يونيو، أصدر البغدادي رده الرسمي عبر رسالة صوتية بعنوان: «باقية في العراق والشام».
الفاتح
تشبه قصة صعود الجولاني إلى القمة عاصفة مثالية اجتمعت فيها كل العوامل. أول حظ حالفه كان خروجه من السجن قبيل اندلاع الثورة السورية، لكنه في ذلك الوقت كان شخصية مغمورة. ما غذّى صعوده الصاروخي في ربيع 2011 هو أنه كان رجلاً ذا رؤية واضحة. ورغم أن العراق كان محور الجهاد في العقد الأول من الألفية، لم ينسَ الجولاني بلاده لحظة، بل كان يحلم بقيادة المعركة ضد نظام الأسد. لسنوات، درس وخطّط واستخلص العبر من تجارب الجهاديين السابقين ليحول حلمه إلى مشروع مدروس للقتال في سوريا، وهو ما عُرف لاحقاً باسم “جبهة النصرة”. هذا المشروع هو ما أقنع البغدادي به، ورفعه بسرعة إلى صدارة المرشحين لقيادة الفرع السوري.
العلاقات التي كوّنها الجولاني في السجن مع قادة مستقبليين لتنظيم داعش العراق كان لها أثر بالغ في مسيرته. تلك الصلات التي نسجها داخل منظومة الاعتقال في العراق هي التي أكسبته الشرعية أمام البغدادي، بعد أن زكّاه سجناء سابقون نافذون. أبرزهم كان أبو معتز، الذي شجعه على كتابة “مشروع النصرة”، وأرسله بنفسه إلى البغدادي، وظل يضغط لإيفاد الجولاني إلى سوريا.
استفاد الجولاني أيضاً من النقص الحاد في الكوادر داخل داعش العراق، إذ لم يكن هناك الكثير من القادة المؤهلين. أما العراقيون ذوو الخبرة، فاستُبعدوا لأن البغدادي أراد قائداً سورياً. المرشح السوري الآخر، العدناني، رُفض بسبب طبيعته المتشددة التي رُجّح أنها ستثير المشاكل في سوريا. عبر هذه التصفية، برز الجولاني كأكثر المرشحين ملاءمة.
رغم افتقاده للخبرة القيادية وارتباطه بتنظيم العراق، لم يظهر الجولاني قط كأداة طيّعة بيد رؤسائه العراقيين. بل على العكس، تُجمع الروايات على استقلاليته وإصراره على تنفيذ أجندته الخاصة، سواء نالت رضى قيادته أم لا. منذ البداية، واجه معارضة داخلية من بعض كبار قادة الدولة، الذين انتقدوا “تساهله المنهجي”. غير أن الجولاني كان ذكياً بما يكفي لتخفيف حدة الخلاف مع القيادة، وإظهار التزامه العلني بخط الدولة. كما أن دعم البغدادي له ساعده على البقاء في موقعه رغم الانتقادات المتزايدة. تأخّر البغدادي في إدراك عمق الشرخ بين الجولاني والمركز العراقي. وعندما قرر اتخاذ إجراءات صارمة لترويضه، كان الأوان قد فات.
انفصال الجولاني عن “داعش العراق” عام 2013 كلّفه ثمناً باهظاً، إذ خسر غالبية مقاتليه ومعظم موارده لصالح تنظيم داعش. لكنه مجدداً نجا من العاصفة بالارتماء تحت مظلة القاعدة، ما سمح له بالاحتفاظ بولاء شريحة كبيرة من قواته. غير أن رعاته الجدد في باكستان لم ينجحوا أكثر من البغدادي في ضبطه. فالقادمون من “خراسان” انتهى بهم الأمر إلى التهميش، وبعد أكثر من ثلاث سنوات تحت راية القاعدة، أعلن الجولاني علناً فك ارتباط النصرة بالتنظيم، بعد أن بات يرى أن هذه العلاقة تعيق مشروعه في توحيد الفصائل السورية تحت قيادته. اعترض الظواهري، لكن الجولاني لم يتراجع، وأتم الطلاق عبر تأسيس هيئة تحرير الشام في فبراير 2017.
منذ ذلك الحين، قاد الجولاني حملة تطهير ضد قادته السابقين وأتباعهم في معقله بإدلب شمال غرب سوريا. لاحق جهازه الأمني خلايا داعش السرية واعتقل عدداً من قادتها البارزين، بل وُجّهت إليه اتهامات بالمشاركة في اغتيال أحد خلفاء البغدادي. بالمثل، حاصر أنصار القاعدة وسجن قادتهم واستولى على مقارهم. وبينما كان يقضي على خصومه، استوعب الجولاني معظم الفصائل المسلحة الأخرى، وفرض نفسه كرجل الثورة السورية الأول بلا منازع.
منذ خطابه الأول في يناير 2012، اختار الجولاني أن يُشار إليه بلقب “الفاتح”. وعندما علم البغدادي بالأمر، استاء من استخدام هذا اللقب، ولم يوضح السبب، لكن من المرجّح أنه فهم ما يوحي به هذا الاسم من طموح جارف. وكان محقاً؛ فقد اختار الجولاني هذا اللقب لأنه كان “مقتنعاً تماماً” بأنه يقود الجيش الإسلامي الذي سيفتح دمشق. كان يؤمن أنه سيدخل العاصمة على خيول أصيلة، وسيلقي “خطبة النصر” في ساحة الأمويين، وقد اختار مسبقاً الزي الشامي التقليدي الذي سيرتديه في تلك المناسبة.
وفي 8 ديسمبر 2024، تحقق الحلم: بعد هجوم خاطف قادته هيئة تحرير الشام ضد قوات الأسد، دخل الجولاني مسجد الأمويين في دمشق بصفته “الفاتح” كما تخيّله طيلة تلك السنوات، وأعلن في خطابه نهاية حكم الأسد بعد 24 عاماً. وبذلك، تفوّق الرجل الذي طالما ابتعد عن الجهاد العالمي على كل خصومه السابقين، من داعش إلى القاعدة. وإذا كان قد ودّع طريق الجهاد الأممي منذ زمن، فإن السؤال اليوم هو: أي نوع من القادة سيكون الجولاني بعد الثورة؟
















